بيتر بروك يستكشف في"وادي الدهشة" ألغاز العقل البشري

الاثنين 2014/05/12
بيتر بروك منظر الفضاء الفارغ مسرحيا

باريس – من بين المسرحيين الكبار الوافدين على فرنسا، والذين كان لهم فيها حضور بارز وتأثير هام على الحركة المسرحية في أواسط القرن الماضي، الروماني يونسكو والأيرلندي بيكيت والروسي أداموف. أما الأنكليزي بيتر بروك، الذي يقدّم حاليا مسرحية “وادي الدهشة”، وإن لم يضاههم في التأليف، فإنه تميّز عنهم في الإخراج، وتخيُّرِ نصوص تغوص في أعماق الإنسان لتستكشف أسرارها.

منذ مطلع الستينات، أذهل بروك الفرنسيين بمقاربته المسرحية الفريدة، وتنظيره للفضاء الفارغ، فبسط نفوذه على الوسط الفني بأعمال متميزة كانت تعرض في مهرجان مسرح الأمم، قبل أن يستقرّ به المقام في مسرح “البوف دي نور” بباريس منذ 1974.

كان اهتمامه مركزا على شكسبير، مسرحياته الأقل شهرة بخاصة، حاول فيها المزج بين المسرح والسينما، ثم انتقل إلى ثيمات تمسّ من قريب مهنة المسرح، مثل الذاكرة والعقل واضطراب السلوك وبعض سمات الإنسان غير العادي.

ففي عام 1993، عرض مسرحية “الرجل الذي يحسب امرأته قبعة” عن نص لأوليفر ساك، تستعرض أناسا غريبي الأطوار يعتقدون أنهم لا يعيشون إلا في الحلم، ليس لهم إحســاس جسديّ، ولا سيطرة على كلامهم.

وفي عام 1997، عرض مسرحية “الظاهرة” عن دراسات أجراها عالم التحليل النفسي السوفييتي ألكسندر روانوفيتش لوريا على صحافي يدعى سلومون شرشكيفسكي، كان يملك ذاكرة رهيبة يستطيع بفضلها أن يحرّر الحوارات والريبورتاجات دون أن يدوّن على الورق ملاحظاته كعادة الصحافيين.

ثمّ التحق بالسيرك ليقدّم عرضا غير مسبوق يستعرض فيه قدرته على الاستظهار بمئات الكلمات يطلقها المتفرجون تباعا، في ترتيب تصاعدي أو تنازلي. وها هو الآن يعود إلى الثيمــــة نفسها لاستكشاف العقل وألغازه.

تحتوي “وادي الدهشة” على قصتين: الأولى عرضية عن موسيقي لا يرى النوتة إلا في شكل بقع من الألوان المزدحمة في ذهنه، والثانية محورية تشبه إلى حدّ بعيد حكاية شرشكيفسكي، حيث تثار من خلال شخصية فتاة أميركية تدعى سامّي مسألة الذاكرة القوية والحسّ المتزامن، أي أن يرافق إدراكُ الفردِ شيئا ما إدراكا ثانيا في حاسة أخرى غير الحاسة الأولى.

فهي أيضا قادرة على تسجيل كل المعلومات والخطب والعناوين وأرقام الهاتف دون أن تستعين بقلم أو دفتر أو آلة تسجيل. والعلماء الذين يستدعونها لفهم تلك القدرة العجيبة يحارون في تفسير ما تتميز به تلك الفتاة التي صارت تستغل موهبتها تلك في المسرح و”الميوزك هول” بنجاح.

يتسم الإخراج بالبساطة، فباستثناء مشهد لعبة الورق والرسوم التخطيطية التي تتراقص على شاشة فيديو في تجانس مع أنغام موسيقية ساحرة يعزفها الفرنسي رفائيل شمبوفي وضابط الإيقاع الياباني توشي تسوتيشوري.

يبدو الركح خاليا إلا من بضعة كراس ومنضدتين ومآزر بيض معلقة في الركن، أما الممثلون، فثلاثتهم أبدعوا

يبدو الركح خاليا إلا من بضعة كراسيّ ومنضدتين ومآزر بيض معلقة في الركن. أما الممثلون، فهم الإيطالي مارتشيلّو ماغنيفي دور الساحر، والأميركي يارد ماك نيل واليونانية كاترين هانتر، وقد أبدع ثلاثتهم، وخاصة كاترين هانتر، التي تذكر بجلسومينا بطلة شريط “لا سترادا” في صغر جسمها، وفي صوتها الخجول المتردّد.

فقد وجدت نفسها هنا محط أنظار أخصائيين يعاملونها معاملتهم لإنسان مريض، والحال أنها لا تشكو سوى من ذاكرة تحتفظ بكل شيء ولا يصيبها النسيان أبدا، وكأنها وعاء امتلأ ولم يعد فيه موضع فارغ.

تتحدّث عن ماضيها حينما كانت طفلة، تهدهدها أمّها بأغان لا تفقه معناها، ثم تحوّلت مقاطع الكلمات في ذهنها إلى ما يشبه سحبا من البخار، وقطرات كالرذاذ، حفظت إثرها أغاني أمها.

وعندما كبرت، صارت كلما رأت السحب تذكرت أمها. تقول: “عندما أريد أن أتذكر أشياء أو أسماء أحوّلها إلى صور أضعها في شوارع.. أبدأ دائما ببيت طفولتي.. في جولتي الذهنية، أضع الأشياء على طول الشارع.. وحينما أريد استحضارها، أجدها هناك، في انتظاري.. وكان عليّ أن أستعمل أنهجا وشوارع كثيرة ومدنا وحتى قطارات الأنفاق، والآن طفحت ذاكرتي.. فماذا أفعل؟ وكيف أنسى؟".

المسرحية استوحاها بيتر بروك وماري هيلين إتيان التي ترافقه منذ خمسة وثلاثين عاما بعد لقاءات مع مرضى نفسانيين وأطباء ومتخصصين كبار، وحتى مع بعض من يتعاطون السحر، ليقيم الدليل على أن “الكوجيتو” الديكارتي ليس من السهل وضعه موضع تجريب، وأن إدراك الواقع ليس بالسهولة التي نتصور. فما معنى الفهم والإحساس والذكاء في النهاية؟ وعلام تقوم؟ وأسئلة أخرى تثيرها المسرحية مثل التذكر والنسيان والوعي بالذات، والتدارك وكون الإنسان عاديا، له جسد وروح وضمير ووعي وطاقة على التعبير والإفهام..

هذه الرحلة المذهلة في عقل الإنسان، تقود أيضا إلى قلبه الذي يجد نفسه في خضم اضطراب السوية. هناك حيث يرتجّ الواقع ويختل العقل، حيث تنوب عن تأزم الشدّة لامبالاةٌ تغدو معها الظاهرة مثارَ فضول وتساؤل: كيف يمكن العيش دون نسيان؟ كيف لا يضيق الصدر بالحِمل المتزايد من معلومات لا نستطيع فرزها؟ كيف يمكن أن يحافظ المرء على ذاته والحال أنه لا يعدو أن يكون سوى صور وذكريات، يعجز عن التخلص من كلمات انطبعت في ذهنه لثوان؟

16