بيتر بروك يناقض عبثية بيكيت في أربعة مقاطع مسرحية

الاثنين 2015/02/09
المسرحية تقدم صامويل بيكيت بعيدا عن الكليشيهات

في مسرح “بوف دي نور” بباريس قدّم بيتر بروك طوال شهر يناير المنقضي نفحات من مسرح صامويل بيكيت، أربعة مقاطع جمع فيها المخرج البريطاني الشهير نصوصا قصيرة هي على التوالي “فصول بلا كلام”، “قطعة مسرح”، “مهدهدة”، “لا هذا ولا ذاك”، و”رائح غادٍ”، يناقض فيها بيكيت ما استقرّ في أذهان الناس عن عبثية مسرحه.

اقترن اسم صامويل بيكيت (1906/1989) بمسرح العبث، كما حدد مفهومه مارتن إسلان عام 1962، دون أن يشكل ذلك تيارا أو مدرسة، بل هو مسرح جديد يقوم على السخرية، ولد من رحم الحرب العالمية الثانية، التي كان لويلاتها المدمرة أثر كبير في مقاربات الفنانين على اختلاف ميولهم.

هذا اللون من المسرح يعاين عبثية الوضع البشري أمام انهيار كل منظومات القيم التقليدية (وخاصة الدين والأخلاق). أما بيكيت، الذي كان يرفض أن تدرج تجاربه تحت تلك التسمية، فقد طوّر أسلوبا مسرحيا بالغ الخصوصية، يستند في مجمله إلى مسرحيات تعطي انطباعا بالفراغ، حيث يمرّ الوقت ولا يحدث أيّ شيء، مجربا أشكالا قصيرة بلا كلمات، موجهة توجيها محكما يجعلها أقرب إلى الكوريغرافيا منها إلى الدراماتورجيا الكلاسيكية.

ومسرحه المفتون بالحركة والصمت، المتخلص من الديكور والمؤثرات الباروكية، كان في مقدمة المسرح الطليعي الذي سعى في خمسينات القرن الماضي إلى تحرير الخطاب المسرحي.

نعت النقاد مسرح بيكيت بمسرح الوجودية اليائسة، وألصقوا به صفات كـ”الحزين” و”السلبي” و”اليائس″، انطلاقا من الانطباع الذي يتركه في نفوسهم أبطال مسرحياته الطويلة.

كالعجوزين ناغ ونيل المنغلقين داخل برميلي قمامة، قرب هام المسمّر في كرسيه النقال في “نهاية لعبة”، أو “الأعمى والمقعد والمقدم على الانتحار” في “قطع مسرح”، وحتى أبطال “في انتظار غودو”، وهم كما نعلم أربع شخصيات ضعيفة هزيلة مشرّدة، تغرق في كلام بلا معنى، في انتظار منقِذ لا يأتي.

في سياق مغاير صديقه بيتر بروك أراد أن يدحض تلك الأحكام، ويعطي صورة مغايرة عن مسرح بيكيت من خلال تلك الشذرات التي تحملنا إلى حقيقة الوجود الإنساني، في كثير من الطرافة والدعابة، ويبين أن بيكيت كان يرفض النظريات والعقائد، ويبحث عن الحقيقة في حياة الناس، مسلطا لحاظه على الآخرين من كل زوايا النظر الممكنة، من الداخل والخارج، ومن أعلى ومن أسفل. وقد أبدع الممثلون الأنكليز الثلاثة، جوس هوبن وكاثرين هنتر ومارتشيلّو ماغني، في تحويل أناس بسطاء إلى خائبين رائعين، ينضحون بالحياة دونما بهرج أو إفراط، فالضحك الذي يثيرونه خفيف خال من الخبث وسوء النية، يعكس الوجه المأساوي والخوف من الوجود والضيق، إما بالهذر وكثرة الكلام، أو بالصمت وغياب الكلام، أي أن البشرية تحمل على عاتقها وصمة عجزها عن أن تكون مضيئة أو مضاءة، مفيدة أو قابلة للاستفادة.

بيكيت طوّر أسلوبا مسرحيا بالغ الخصوصية يستند في مجمله إلى مسرحيات تعطي انطباعا بالفراغ حيث يمرّ الوقت ولا يحدث أيّ شيء، مجربا أشكالا قصيرة بلا كلمات

قليلة هي الإكسسوارات التي يلجأ إليها المخرج، ولكنها كافية لخلق السياق، والبساطة المعتمدة في كامل المقاطع، التي لا يربطها في الظاهر رابط، وكذا نبرة الممثلين توحي في الغالب بالحياد، ليترك التأويل للمتفرج، فالغاية هي خلق مناخ، لا ينفك يتجدد، حتى لدى عرض النصوص نفسها.

يقول بروك “نحن لا نعيد العرض أبدا، بل نعيد صنعه”. هم يجمعون بين دقة الحركة الجسدية، والحضور الذي يملأ اللحظة، والتواشج مع الجمهور في إبداع فني يمتح من الشعر، مع ميل إلى التهريج في معناه الأسمى، كما حدده فيدريكو فلّيني “الممثل الذي يدهشني ويفتنني، والذي أحس نحوه بنوع من الاندفاع المتحمس والغامض هو الممثل المهرج، فهو في رأيي تعبير عن أكثر الطبائع أرستقراطية وأصالة”.

مهرجو بيكيت يندرجون في هذا الإطار، لأنهم، بعاهاتهم الخَلقية وبسلوكهم المنحرف عن سلوك الناس العاديين، إنما يناقضون بؤس وضعنا الإنساني، يعترضون عليه سواء بحالتهم الجسدية المعوقة أو بوحدتهم الأليمة أو بضحكة عالية صافية، تعكس قلة اكتراثهم بما يعانون.

وإذا كان الجمهور قد قضى سهرة ممتعة، ولحظات تنتزع منه البسمة والضحكة وتغمره بالمسرة، فلا يعني ذلك أن العرض كله هزليّ ساخر، قد يصحّ ذلك على بعض المقطوعات، ولكن “مهدهدة” أو “أغنية المهد” التي تنهض بها كاثرين هنتر وحدها في أداء مذهل، تنضح بحزن شفيف، وأسى مُربك.

فالانطباع العام هو صورة عن الحياة بحلوها ومرّها، يعرضها بيكيت في مواقف موحية، ولا ننسى أنه كان يخالط الناس في شتى الأماكن، وأنه كان يعشق الميوزيك هول والكباريهات، ويرتاد الخمارات الليلية، ويستقي من معيشه ما يجعل نصوصه عميقة، تنبض بالحياة، وتكشف عن حالات وجودية فريدة، معبرة، مؤثرة، ومثيرة للضحك اللطيف.

في كتيب له بعنوان “الرغبة التي لا تفتر”، يتحدث الفيلسوف آلان باديو عن بيكيت والتقليد الكرنفالي فيقول “ينبغي أداء بيكيت بأكبر قدر من الفكاهة والدعابة، في التنوع الدائم للأنماط المسرحية الموروثة. عندها فقط يمكن أن نلمس تجلي ما يمثل المقصد الحق للكوميديا: لا رمز أو ميتافيزيقا مقنعة، ولا هزل، بل هو محبة قوية لإصرار البشر، وللرغبة التي لا تفتر، وللإنسانية المتردية إلى مكرها ومكابرتها”.

16