بيتنا أعلى التل

ها هو العالم يتحسب أكثر ولكن علاج أمراض الأرض صعب جدا. أين نذهب بستة مليارات من البشر هم الفارق بين عدد السكان عام 1900 واليوم؟
الأربعاء 2018/11/21
الطبيعة مثل الجسم البشري. لا تستطيع أن تتوقع أنها تحتمل كل ما يلقى عليها من أخطاء

ثورة الطبيعة ملحوظة هذه الأيام. اللقطات التي يتم تبادلها بين الناس عبر واتساب وتويتر تصور مشاهد غير معتادة في الشرق الأوسط، وبانتشار جغرافي ملحوظ. الأمطار تأتي وتولد السيول التي تطيح ببنية تحتية رخوة لا تتحمل مثل هذه الامتحانات. قليلو الخبرة يريدون اختبار قوة السيل بسيارات الدفع الرباعي ليكتشفوا فورا أنها قشة تطفو على سطح الماء.

تسوناميات صغيرة تمر بين الوديان الصحراوية فتصور لنا مشهدا سورياليا غير معتاد. ماء ورمل وصخور معا من دون شجيرات أو أعشاب خضراء تمسك التربة وتقلل من تأثير السيل.

الطبيعة مثل الجسم البشري. لا تستطيع أن تتوقع أنها تحتمل كل ما يلقى عليها من أخطاء. الجسم البشري يبدأ منيعا ويتحمل الأكل والشرب والسكريات والملح والكحول وقلة التمارين الرياضية. بمرور الوقت تبدأ الإشارات، ومع الوصول للأربعين تصبح أدوية الضغط والسكري والكوليسترول ضرورية.

الطبيعة كانت منيعة إلى حد ما وإن كانت ترسل الإشارات بأن الأرض التي كانت متصالحة مع نفسها حين كان عدد السكان عام 1900 هو 1.6 مليار، صارت تئن حين دخلت الألفية الثالثة وتجاوز البشر 6 مليارات، والآن نقف عند رقم 7.7 مليار.

مهما عملت من حماية للبيئة ومن إجراءات رقابة ومن تقدم تكنولوجي، فإن هذه المليارات ستأكل وتتحرك وتوقد نارا وتضيء لمبة كهرباء. كل هذه طاقة محروقة تتبدد ضمن الغلاف الجوي وتتسبب في إعادة توزيع الحرارة التي نتلقاها من الشمس، فتصبح مناطق أكثر برودة وأخرى أكثر حرارة. التسارع الذي نراه في التغيرات المناخية يشابه التسارع في الإشارات التي يرسلها الجسم البشري منذرا بما هو قادم. والقادم وصل حين صرنا نشهد معدلات استثنائية لدرجات الحرارة في عدد من البلدان، وأمطارا تولد سيولا لم نرها من قبل.

التغيرات المناخية معنا لتبقى. ومثل ارتفاع الضغط والسكري والكوليسترول في الجسم البشري، فإن الأدوية والرياضة والحمية تعالج الأمراض ولكن لا تشفي منها. تأخذ حبات يوميا وتواصل المسيرة بتحسب أكثر. وها هو العالم يتحسب أكثر ولكن علاج أمراض الأرض صعب جدا. أين نذهب بستة مليارات من البشر هم الفارق بين عدد السكان عام 1900 واليوم؟

عام 2004 عرض فيلم “اليوم ما بعد الغد”. يروي الفيلم شيئا أشبه بالقيامة البيئية حين يغرق شمال الكرة الأرضية بالعواصف الثلجية ويتجمد كل شيء. رد فعل ابني الصغير وكان في الخامسة من العمر هو البكاء. التفت إلي وقال “أنت لا تبكي لأنك لن تكون موجودا عندما تأتي العاصفة”، باعتبار فارق العمر. أي أن نجاتي بالرحيل مبكرا. أضاف “أنا من سيرى العاصفة”. تنبه قليلا وقال “شكرا لأنك اشتريت بيتنا أعلى التل. على الأقل سننجو من السيول”.

24