"بيتنا بيتك" صارت "أوكسجيننا أوكسجينك" في لبنان

فريق مبادرة "بيتنا بيتك" تمكن من جمع أكثر من 27 ألف دولار لتوفير أسطوانات الأوكسجين للمحتاجين بعد أن تحولت سلعة نادرة تباع في السوق السوداء.
الخميس 2021/02/11
تزايد الأزمات يتطلب تزايد المساعدات

دفع تفاقم الوضع بسبب جائحة كورونا في لبنان مجموعة مدنية إلى مساعدة المتضررين من الفايروس عبر مدهم بأسطوانات الأوكسجين. وقررت منظمة “بيتنا بيتك” التي تنشط ضمنها هذه المجموعة تغيير طابع نشاطها بداية بتوفير المأوى للعاملين في القطاع الصحي، الذين كانوا قلقين بشأن تعريض أسرهم للعدوى، وصولا إلى مساعدة المتضررين بمدهم بأسطوانات الأوكسجين.

بيروت- قام فريق صغير يرتدي الأقنعة والقفازات في وسط حي الجميزة الذي تم تدميره في بيروت، بتعقيم وتعبئة أسطوانات الأوكسجين لإرسالها إلى المحتاجين، وهذا يعد أحدث مشروع تقوم به مجموعة مدنية لبنانية نشأت مع جائحة كورونا وتبحث عن طرق جديدة لمساعدة المحتاجين مع تزايد أزمات البلاد.

وقالت ميليسا فتح الله، أحد مؤسسي منظمة “بيتنا بيتك”، “لا أحد مُستثنى من الفايروس، لا أحد. لا أحد يمتلك مناعة خارقة ضد المرض. لقد رأينا أن أقرباءنا وزملاءنا يصابون بالمرض، فقررنا أن نبدأ عملية جمع تبرعات أخرى وأن نركز بشكل خاص على أسطوانات الأوكسجين”. وجمع الفريق أكثر من 27 ألف دولار وأمدّوا المحتاجين في جميع أنحاء البلاد بثمانية وأربعين أسطوانة أوكسجين.

وتم إطلاق منظمة “بيتنا بيتك”، التي يعمل بها 110 موظف، في بداية فترة انتشار الوباء وتبنّوا مبادرة مختلفة تماما: وهي توفير مأوى يكون بعيدا عن منزل العاملين في القطاع الصحي الذين كانوا قلقين بشأن تعريض أسرهم للعدوى. وخلال فترات الإغلاق الأول في لبنان في مارس من العام الماضي، استطاعوا أن يستضيفوا 750 عاملا في القطاع الصحي في شقق مختلفة.

سعر أسطوانات الأوكسجين حاليا يعادل أجر 26 شهرا من راتب الحد الأدنى للأجور
سعر أسطوانات الأوكسجين حاليا يعادل أجر 26 شهرا من راتب الحد الأدنى للأجور

وتعيش كلوي غوش، طبيبة مقيمة تبلغ من العمر 26 عاما في مستشفى حكومي في بيروت، في مساكن توفرها المنظمة منذ بداية الوباء، فيما تقطن عائلتها في مدينة تنورين وهي مدينة صغيرة على بعد 80 كيلومترا (50 ميلا) شمال لبنان. وبالنسبة إلى كلوي كان تعريض أسرتها للخطر عبئا آخر لم تستطع تحمله.

وقالت غوش “إذا أصبت أنا بالفايروس، أو أُصيب أي شخص في عمري بالمرض، فهناك احتمال كبير أن ننجو، لكن عائلاتنا لا”.

وتم تدمير أول سكن لها مع المنظمة الخيرية عندما ضربت كارثة أخرى بيروت، وهو الانفجار الضخم الذي وقع في 4 أغسطس في مرفأ ميناء المدينة. وأسفر الانفجار عن مقتل أكثر من 200 شخص وإصابة 6 آلاف آخرين وتدمير الآلاف من المنازل.

ولم تصب غوش بأي أذى. وانتقلت إلى مكان آخر وفرته منظمة “بيتنا بيتك” عبر المدينة في شارع الحمراء. وتشترك غوش الآن في شقة من أربع غرف نوم مع ثلاثة عاملين آخرين في القطاع الصحي يعملون في مستشفيات مختلفة في جميع أنحاء المدينة.

وبعد ظهر أحد الأيام، كانت غوش وزميلها الذي يسكن معها في شقتها، عيسى طنوس، يستريحان بعد يوم عمل طويل، وكانا يحتسيان فنجانا من القهوة أمام الأضواء المعلقة عبر نوافذ الشقة. كان من النادر أن يكونا في المنزل في نفس الوقت.

وقال طنوس (28 عاما)، وهو طبيب مقيم في مستشفى خاص، “أحدهم يعتني بنا ويقدم لنا يد المساعدة. هناك من يقدّر ما نمرّ به وكل ما يدور برؤوسنا. لقد منحتنا هذه المساعدات مساحة حتى لا نخاف، ولا نقلق من أننا قد نؤذي شخصا ما”.

وتبرّع فاعل خير بالشقة لمنظمة “بيتنا بيتك” للمساعدة في استضافة العاملين بالقطاع الصحي. ونفس هذا المانح تبرّع بعدة ممتلكات أخرى حول بيروت لنفس الغرض.

وبعد انفجار الميناء، سارعت منظمة “بيتنا بيتك” إلى تكثيف جهودها لمساعدة من تحطّمت منازلهم. ووضعت المنظمة المتضررين في مساكن مؤقتة بينما ساعدتهم في جمع الأموال لإصلاح منازلهم. وخلال الأربع وعشرين ساعة الأولى من إعلانهم عن احتياجهم لشقق مؤقتة، تم التبرع بست شقق.

وقالت فتح الله إن “بيتنا بيتك” نشأت بسبب نقص الخدمات المقدمة للعاملين في القطاع الصحي في لبنان. وأضافت “إذا فكّرنا في ما يمكن أن تفعله الحكومة، فسننتظر كثيرا لأننا ليست لدينا حكومة. حكومتنا فاشلة تماما”.

ويعاني قطاع الصحة في لبنان من إرهاق طاقته وتعرضه لضغوط شديدة، حتى بعد الانفجار. ويعمل الأطباء في نوبات متعددة يوميا لتغطية زملائهم المصابين بالفايروس. وبحسب نقابة الأطباء، فقد أصيب أكثر من 2300 عامل لبناني في مجال الرعاية الصحية منذ فبراير من العام الماضي.

ويوجد في لبنان أكثر من 14 ألف طبيب و17 ألف ممرض، لكن العديد من الأطباء غادروا البلد أيضا متأثرين بأزمة اقتصادية خانقة سبقت الوباء.

"بيتنا بيتك" مبادرة تقوم بها مجموعة مدنية لبنانية نشأت مع جائحة كورونا
"بيتنا بيتك" مبادرة تقوم بها مجموعة مدنية لبنانية نشأت مع جائحة كورونا 

وبعد الانفجار، شهد لبنان ارتفاعا كبيرا في إصابات فايروس كورونا التي تفاقمت بحلول نهاية عام 2020، مما أجبر منظمة “بيتنا بيتك” على تعليق بعض أعمالها. كما كان عدد المتبرعين أقل.

وحاليا تعتني المنظمة بمئة عامل في القطاع الصحي يسكنون في ست شقق وعدد قليل من الفنادق. ومع ذلك، فقد استمرت المنظمة في العمل وسط إغلاق البلاد لمدة أربع وعشرين ساعة بدءا في منتصف يناير. وحتى أثناء توزيع أسطوانات الأوكسجين، تم تغريم الفريق لخرقه حظر التجول.

لكن فتح الله مصممة على الاستمرار. وأضافت “لقد أخذنا الأمر على عاتقنا بسبب الخير الذي نفعله، وبسبب وطننا ومواطنينا”.

وفرضت الحكومة اللبنانية حالة إغلاق صارمة عقب تسجيل أكبر حصيلة إصابات يومية خلال النصف الثاني من شهر يناير الماضي منذ أن بدأت الجائحة.

وفجر يوم 14 يناير 2021، دخل لبنان إغلاقا عاما ثالثا في ظل تفاقم تفشي فايروس كورونا في البلاد خلال الأسبوع الماضي، حيث قارب عدد الإصابات الإجمالي 232 ألفا، فيما وصل عدد الوفيات إلى 1740.

وتجاوزت مستشفيات لبنان طاقتها الاستيعابية، ويعمل معظمها بموجب توفير الأسرّة في وحدات العناية المركزة، بل ورفض استقبال الحالات. وأصبحت أسطوانات الأوكسجين حاليا سلعة نادرة تباع في السوق السوداء بمبلغ يصل إلى 2000 دولار، وهو ما يعادل بسعر الصرف الحالي لليرة اللبنانية، أجر 26 شهرا من راتب الحد الأدنى للأجور.

تم إطلاق مبادرة "بيتنا بيتك"، التي يعمل بها 110 موظف، في بداية فترة انتشار الوباء وتبنّوا مبادرة مختلفة

وشهد لبنان مع اشتداد أزمة كورونا سوقا سوداء لبيع أجهزة الأوكسجين المزيفة بسبب ارتفاع الطلب على الأصلية.

وأدى عجز الشركات المرخص لها عن سد النقص الحاصل في الأجهزة التي تنتج الغاز المشبّع بالأوكسجين، إضافة إلى عجز المستشفيات عن استقبال جميع المصابين، إلى تعمّد الشركات غير المرخص لها استغلال حاجة المصابين الذين اضطروا إلى العلاج في منازلهم من خلال شراء الأجهزة.

وحذرت رئيسية تجمع نقابة مستوردي المعدات والأدوات الطبية في لبنان من بيع أجهزة أوكسجين تزود المصابين بالهواء العادي عوضا عن الأوكسجين.

21