بيت "أبودجاج" مهاجر مالطي يكتسح الشارع الأميركي

المرشح الرئاسي يدعو إلى تغيير السياسة الخارجية الأميركية التي تشمل إحياء الاتفاق النووي مع إيران، وتقديم دعم أقل لسياسات إسرائيل التوسعية.
الخميس 2020/02/27
شاب مختلف يعد بمحو قرارات ترامب

نجح الديمقراطيون في الماضي في إيصال أول رئيس أسود من أصول مسلمة، في تجربة باراك أوباما، ويحاولون اليوم قلب الطاولة على الجمهوريين من خلال بيت بوتجيج الذي وجد نفسه محط اهتمام جديد بعد ظهوره فجأة كمنافس في أعقاب المؤتمرات الحزبية في ولاية آيوا. هذا الاهتمام كان محوره مسألة كيفية نطق الاسم الأخير له في البيت الأبيض بشكل صحيح. وأصبح هذا الأمر موضوعا رائجا في محركات البحث على الإنترنت، حتى أنه يمثل تحديا في البرامج الحوارية التلفزيونية. ولدى العديد من الأشخاص، وخاصة في الولايات المتحدة، فإن بوتجيج هو اسم أخير غير رائج لا يحتوي على إشارات واضحة للنطق.

أطياف تونس

في إحدى الحملات الانتخابية، حاول ابن عالم اللغة البالغ من العمر 38 عاما إلقاء الضوء على الجذور الدلالية لاسم عائلته “تجيج” قائلا إن الاسم يعني “الدجاج”، لذا فإن “بوتجيج” يعني “أبودجاج”. وفي اللغة العربية، التي اشتق منها جزء كبير من اللغة المالطية، يعني اسم عائلة بوتجيج “أبودجاج”. ومع ذلك، فإن “بودجيج” سيكون أكثر دقة من حيث انعكاس الصوت باللهجة العربية التونسية، والذي أثرت بشكل مباشر على اللغة المالطية. وشرح المرشح الرئاسي مدى قرب مسقط رأسه من أقصى شمال أفريقيا، تونس. “إذا رسمت خطا من صقلية إلى تونس، فسوف يمر عبر مالطا”، قال بوتجيج أمام جمهوره قبل بضعة أسابيع.

 جوزيف، والد بوتجيج، كان أستاذا مالطيا للغة الإنجليزية هاجر إلى الولايات المتحدة في السبعينات. وحتى والدته تعمل في مجال علم اللغة. وكان الاسم شائعا في مالطا وكان اسم ثاني رئيس لمالطا، أنطون بوتجيج.

بوتجيج أكد أنه ينوي تضييق نطاق سلطة الرئيس في استخدام القوة العسكرية في جميع أنحاء العالم، مفضلا أن تواصل واشنطن تقديم “المساعدة الأمنية” للبلدان التي تحارب الإرهاب

بوتجيج، الذي درس في جامعة هارفارد وأكسفورد، يتقن سبع لغات، بما فيها العربية، التي تعلمها في مدرسة بورقيبة للغات الحديثة في تونس عام 2005. تعد المدرسة واحدة من مدارس اللغات الأجنبية الرئيسية في العالم العربي التي تجذب المهنيين والطلاب والباحثين من أوروبا والولايات المتحدة وآسيا. وفي مقابلة مع مجلة نيويورك تايمز العام الماضي، تذكر رئيس بلدية ساوث بيند السابق بولاية إنديانا إقامته في تونس قائلا “إن التونسيين ودودون للغاية. سوف يصادقونك في اللحظة التي يرونك فيها. إنهم مثل المصريين”.

يعترف بوتجيج بأن الود التونسي جعله مستاء في البداية، ويقول “في البداية كنت تعتقد أن هناك شيئا ما يحدث. إنهم يحاولون إخراج شيء منك، لأنه إذا جاء إليك شخص ما في الشارع لمحاولة الحصول على سيجارة أو السؤال عن الوقت، فأنت تعلم أن الطلب التالي هو أنه سيدعوك لتناول القهوة، ما هذا؟ خاصة إذا كنت من نيويورك، كنت متأكدا من أنه سيكون هناك المزيد من الشكوك”. وأقر بسوء فهم آخر عن التونسيين، وهو أنه “لم يستطع أن يجعل أيا منهم يتحدث عن السياسة”. وافترض في ذلك الوقت أن النظام الاستبدادي للرئيس آنذاك، زين العابدين بن علي، “نجح في خلق جيل لا يهتم بالسياسة”. أدرك بوتيجيج في النهاية أن استنتاجه “كان خاطئا تماما، لأن تونس هي التي بدأت ’الربيع العربي’ بعد ست سنوات من وجودي هناك”.

برنامج بوتجيج

تقدم بوتجيج على منافسيه الكبار، ومن بينهم بايدن وساندرز، يعكس رغبة الديمقراطيين في تقديم خيار غير متوقع، لعلهم يردون الضربة للجمهوريين الذين غافلوهم بتقديم ترامب في الانتخابات الماضية.
تقدم بوتجيج على منافسيه الكبار، ومن بينهم بايدن وساندرز، يعكس رغبة الديمقراطيين في تقديم خيار غير متوقع، لعلهم يردون الضربة للجمهوريين الذين غافلوهم بتقديم ترامب في الانتخابات الماضية.

إذا تم انتخاب بوتجيج، فسيكون أول رئيس أميركي يتحدث العربية، لأن الإلمام باللغات الأجنبية والاختلافات بين الثقافات بين الغرب والعالم العربي سيكون بمثابة نقلة نوعية في السياسة الأميركية التي يقال إن بعض الرؤساء السابقين فيها لم يكن لديهم حتى جواز سفر قبل دخولهم البيت الأبيض.

ومثل معظم الديمقراطيين، يدعو بوتجيج إلى تغيير المواقف الخارجية للولايات المتحدة التي تشمل إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، وتقديم دعم أقل لسياسات إسرائيل التوسعية. لكن التعهدات الانتخابية قد تتخذ شكلا مختلفا بمجرد إجراء تصويت عام 2020.

في برنامج بوتجيج ثوابت أساسية ترى أن توسيع السيادة الإسرائيلية رسميا لتشمل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، سوف يقضي على الآمال في تحقيق السلام وإنشاء دولة للفلسطينيين. ولذلك قال إنه “إذا نفذ رئيس الوزراء نتنياهو تهديده بضم مستوطنات الضفة الغربية، فعليه أن يعلم أن الرئيس بوتجيج سيتخذ خطوات لضمان أن دافعي الضرائب الأميركيين لن يساعدوا في دفع الفاتورة“.

عمل بوتجيج في حملات الديمقراطيين السابقة، قبل أن يركز على ترشيح نفسه في ربيع العام الماضي، وحينها شدد على أهمية المنافسة وعدم الإفراط في الثروة والسلطة المركزية، فهو يعتبر أن سياسات القطاع العام كانت ميالة باتجاه عدم المساواة المتزايدة، وأنه توجد حاجة ماسة إلى دراسة معدل ضريبي هامشي أعلى لأصحاب الدخل الأعلى.

بوتجيج بوسعه أن يشق طريقه نحو الأعلى أكثر، فيما لو واصل إقناع القاعدة الشعبية لحزبه. ولكن وفي الوقت الذي يمثل فيه ترامب "القيم المسيحية المحافظة"، ينظر الأميركيون بترقب إلى بوتجيج الذي لا يخفي ميوله المثلية.
بوتجيج بوسعه أن يشق طريقه نحو الأعلى أكثر، فيما لو واصل إقناع القاعدة الشعبية لحزبه. ولكن وفي الوقت الذي يمثل فيه ترامب "القيم المسيحية المحافظة"، ينظر الأميركيون بترقب إلى بوتجيج الذي لا يخفي ميوله المثلية.

ولهذا أطلق خطة تتضمن رفع الحد الأدنى من الأجور إلى 15 دولارا في الساعة، وتقديم إجازة عائلية مدفوعة، وتعزيز قوة التفاوضية للنقابات، واعدا بإنفاق تريليون دولار على مشاريع البنية التحتية على مدى 10 سنوات، وخلق 6 ملايين وظيفة على الأقل، بالاعتماد على الطاقة الخضراء.

ينادي بوتجيج، كذلك، بإلغاء قانون “التفويض باستخدام القوة المسلحة“ الذي أقره الكونغرس عام 2001 وما زال ساريا حتى الآن، ويسمح للرئيس باستخدام كل القوة اللازمة والملائمة ضد الدول أو المنظمات أو الأشخاص الذين يرى الرئيس أنهم خططوا أو شاركوا أو ساعدوا في شن هجمات 11 سبتمبر عام 2001، أو قاموا بإيواء منفذي هذه الهجمات.

وقد أكد بوتجيج أنه ينوي تضييق نطاق سلطة الرئيس في استخدام القوة العسكرية في جميع أنحاء العالم، مفضلا أن تواصل واشنطن تقديم “المساعدة الأمنية” للبلدان التي تحارب الإرهاب. ويبدو أن بوتجيج يحاول شطب الإرث الجمهوري برمته، فهو يطرح أيضا عودة انضمام الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس للمناخ، تلك الاتفاقية التي انسحب منها ترامب.

تقدم بوتجيج على منافسيه من ذوي الخبرات والتجارب السياسية القديمة، في الفترة الأخيرة، ومن بينهم جو بايدن، نائب الرئيس في عهد أوباما، وبيرني ساندرز، الاشتراكي المثير للجدل، يعكس رغبة الديمقراطيين في تقديم خيار غير متوقع، لعلهم يردون الضربة للجمهوريين الذين غافلوهم بتقديم ترامب في السنوات الأخيرة وهو الذي لم يكن يتوقع أحد فوزه على هيلاري كلينتون. الأمر الآخر الذي يريد الديمقراطيون قوله بتقديم بوتجيج إلى الصدراة، يتمثل برسالة منهم إلى قياداتهم الحالية. وذلك بخلق قيادة شابة لا تاريخ لها.

غضب الديمقراطيين

 انتخاب بوتجيج لموقع الرئاسة سيعني وصول أول رئيس أميركي يتحدث العربية إلى البيت الأبيض. وسيكون بمثابة نقلة نوعية في السياسة الأميركية
 انتخاب بوتجيج لموقع الرئاسة سيعني وصول أول رئيس أميركي يتحدث العربية إلى البيت الأبيض. وسيكون بمثابة نقلة نوعية في السياسة الأميركية

بوتجيج يبرز في موقع الوسط بين طروحات ساندرز وبايدن. وبوسعه أن يشق طريقه نحو الأعلى أكثر، فيما لو واصل إقناع القاعدة الشعبية لحزبه.

وفي الوقت الذي يمثل فيه ترامب ”القيم المسيحية“ الأميركية، ينظر الأميركيون بترقب إلى بوتجيج الذي تلتصق به الميول المثلية، ما يشكل افتراقا بين مشروعين شعبيين كبيرين في الولايات المتحدة. الأول مع المحافظة على قيم البيض ومحاربة الإجهاض ورفض المهاجرين، والثاني بالقبول بالمثلية الجنسية وفتح الطريق أمام المهاجرين للوصول إلى رأس السلطة.

بوتجيج قال إنه كان يخطط لإنشاء أسرة مثلية “نموذجية” وتبني أطفال مع شريكه شاستين، لولا انشغاله بالانتخابات، أما شركة ”ماكينزي“ التي تقوم بتحليل القرارات والبيانات فأشارت إلى أن بوتجيج ”سياسي موهوب ويتقدم بسرعة ولكنه يحتاج إلى مؤهلات وسمات ليحصل على منصب رئيس الولايات المتحدة، وهو متعجرف ومتباه بمعرفته الواسعة، ما يظهر جليا من خلال حديثه وقراءاته الأدبية باللغات المختلفة“. غير أن البعض يرى أن الناخبين الأميركيين لا يرغبون في الجلوس والإصغاء إلى شخص يلقي عليهم المحاضرات حول قدراته الأدبية واللغوية ويحاول الدفاع عن حقوق المثليين في حملته، بل يريدون رئيسا لديه القدرة على إدارة البلاد.

وفي الوقت الحالي، يستخدم بوتجيج تجربته العسكرية لعام 2014، كضابط مخابرات في البحرية الأميركية في أفغانستان، كأحد أرصدة الحملة. فقد كان خلال فترة خدمته مسؤولا عن تحليل البيانات حول تدفق الأموال إلى الجماعات الإرهابية.

وهو يقول إن وجهة نظر أحد المحاربين القدامى قد تكون ذات صلة “عندما يتم اتخاذ القرارات التي يمكن أن تدفع الناس إلى الصراع”. ويصر على أن “هذا المنظور ضروري، خاصة عندما يكون لدينا رئيس يعتقد أن القوة هي مثل ذلك الذي يقوم باستعراض عضلاته وصوته المرتفع في أحد البارات”.

 وحتى منتصف يوليو القادم، وعندما يحل موعد مؤتمر ترشح الديمقراطيين، سيكون أمام بوتجيج الكثير من العمل قبل أن يهزم المنافسين الآخرين، بمن فيهم الملياردير عمدة نيويورك السابق، مايكل بلومبيرغ، ثم في نوفمبر سيقف أمام “الرجل ذي الصوت العالي” الموجود حاليا في البيت الأبيض. وسواء حدث ذلك أم لا، فسيكون لدى الأميركيين وقت للتعود على اسمه الأخير. ومع ذلك، في العالم العربي، فإن نطق “أبودجاج” بالتأكيد لن يشكل معضلة. وفي أسوأ الأحوال، سيتساءل الناس عما يفعله “أبودجاج” في البيت الأبيض.

12