"بيت البرندة" تاريخ مسقط وإنجازات أسلاف العمانيين تعرض على محامل مختلفة

مدينة مسقط من المدن العربية القديمة التي لعبت دورا هاما كمحطة تجارية منذ بداية العصور الإسلامية، وذلك بفضل موقعها الإستراتيجي في خليج عمان. وهو ما جعل تاريخها حافلا بالأحداث التي تركت آثارها وتراثها الثقافي والاجتماعي، ليحتفي بها العمانيون ويتخذونها عاصمة للسلطنة. هذه المعطيات التاريخية والجغرافية رسّخت في العمانيين الاهتمام بجمع وحفظ تراث مدينتهم الحضاري في متاحف مثل “بيت البرندة”، ليكون فضاء ثقافيا يعرض بما فيه من قطع أثرية المراحل التاريخية التي مرت بعمان.
الاثنين 2015/10/05
بيت البرندة يعرض تاريخ مسقط برسومات وقطع أثرية تصور الحياة العمانية القديمة

مسقط - التمازج بين التراث والطابع العصري ميزة من ميزات مدينة مسقط التي رغم ما تبدو عليه من مظاهر الحداثة في المعمار وغيره لم تقطع مع ماضيها بل شيدت المتاحف والبيوت التاريخية لتحفظ آثارها المتنوعة إلى جانب ما تحتويه من معالم ومواقع تاريخية تمت صيانتها والمحافظة عليها لتظل مزارا ثقافيا يلهم المولعين بالتاريخ. هذا ما شهده “بيت البرندة” الذي تمت إعادة بنائه وتحويله إلى متحف يتضمن تفاصيل الحياة المسقطية القديمة بما يشكل ذاكرة للمدينة.

يطلع هذا المتحف زواره على مقومات مدينة مسقط وتطورها عبر مراحل التاريخ، ويحتضن إنجازات الأسلاف وحرفهم وأدواتهم التي استعملوها في حياتهم اليومية.

واستعانت بلدية مسقط أثناء تشييدها لهذا البيت بما يسمى “الكتاب الناطق” الذي يسرد بمجرد تقليب أوراقه التسلسل التاريخي لأهم الأحداث التي عاشتها عمان منذ مليوني سنة حتى عصرنا الحالي مرورا بعلاقات عمان التجارية القديمة مع السومريين والبابليين والرومانيين والساسانيين إضافة إلى نشأة مسقط والأصل اللغوي في تسميتها.

أما تسمية “البرندة” فيرجعها المؤرخون إلى أنها تحريف محلي للكلمة اللاتينية “فيراندا” (Veranda) التي تعني الشرفة، وجاءت تسمية البيت من الشرفة الممتدة على طول واجهته في الطابق الأول، ويعرف هذا المبنى أيضا بـ”بيت نصيب” نسبة إلى التاجر نصيب بن محمد الذي بناه في أواخر القرن التاسع عشر ميلادي ليكون مقرا لسكنه رغم أنه لم يسكنه.

وشيد بيت البرندة على مرحلتين، أما النقش في أعلى باب البيت والمؤرخ في العام 1931 فيرجح أنه يوثّق تاريخ بناء الجزء الأمامي من البيت. وشهد البيت استعمالات عديدة، حيث قامت البعثة الأميركية باستئجاره عام 1909 واتخذته مستوصفا حتى عام 1933، وفي عام 1972 استأجر المبنى المجلس البريطاني ورممه حيث شملت أعمال الترميم تخصيص قاعات للدراسة وقاعة للمكتبة ومكاتب للإدارة وملحقات أخرى. وفي عام 1979 رشّح بيت البرندة لجائزة الآغا خان المعمارية.

وفي عام 2004 تسلمته بلدية مسقط التي رأت في تحويله إلى متحف مشروعا ثقافيا من شأنه أن يعرّف بتاريخ مسقط ويسرد بيت البرندة في حلته الجديدة قصصا تاريخية تعود لأكثر من مئة مليون سنة وصولا إلى حاضرها، مرورا بعصر الديناصورات والمستوطنات البشرية منذ عشرة آلاف سنة قبل الميلاد والفترة الإسلامية الأولى.

البيت يقدم لمحات عن تاريخ السلطنة وعاصمتها في كتابات الرحالة

ويقدم البيت لمحات عن تاريخ السلطنة وعاصمتها في كتابات الرحالة والجغرافيين وتاريخ مسقط من القرن الأول ميلادي إلى عام 1744 مستعرضا تاريخ أسرة البوسعيد الحاكمة، معرّجا على مراحل الحياة اليومية بتفاصيلها الثقافية وما تضمه من فنون شعبية وغيرها.

واستعادت مدينة مسقط حضورها في عمان عندما انطلق منها الأسطول العماني إلى شرق أفريقيا مادا نفوذه هناك في عصر السلطان سعيد بن سلطان، ويعرض البيت هذه الفترة من خلال جداريات ووثائق وصور لأهم الشخصيات التي كانت فاعلة خلالها، إضافة إلى مجسم لمسقط ومطرح مستوحى من رسم يعود إلى القرن الثامن عشر ميلادي، كما يفصل البيت عبر الصور أهم المراحل التي مرت بها دولة البوسعيد بداية من عهد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي ودوره في القضاء على الفتن الداخلية وتوحيد العمانيين.

ويقدم البيت سيرة مسقط من القرن الأول إلى عام 1744، حيث تبيّن الخرائط والمصادر القديمة أن مسقط ذاقت طعم الفرح كما ذاقت ويلات الاحتلال، وتوضح الرسوم الموجودة بالبيت الاحتلال البرتغالي لمسقط ودور العمانيين في إجلائهم عام 1650.

يعتمد بيت البرندة في شرحه لتاريخ المدينة على مجموعة من المعروضات ومنها اللوحات التي رسمها فنانون أجانب وتقدم تلك الرسومات والخرائط واللوحات الطرق التجارية من القرن 17 إلى القرن 19، حيث خص عدد من رسامي الخرائط ميناء مسقط برسومات تمييزية في حواشي خرائطهم باعتباره إحدى المحطات الرئيسية في طرق التجارة الدولية البحرية في تلك الفترة، وبينها خارطة توضح طريق التوابل من رأس الرجاء الصالح إلى منطقة البنغال في الهند تعود إلى عام 1649.

وتبين الرسومات في قاعة مسقط التنافس الدولي على ميناء مسقط واحتجاز السفينة ماري عام 1759 وخازن الفحم على شاطئ المكلا الذي تم تقسيمه بين فرنسا وبريطانيا في تسوية للنزاع الذي استعر بينهما على تخزين الفحم في مسقط عام 1900. ويتتبع بيت البرندة عبر إحدى قاعاته وبواسطة الرسوم الحياة القديمة في مدينة مسقط، عارضا تغيّر النباتات والحيوانات التي كانت تعيش في المنطقة.

12