أبريل 17, 2018

"بيت التوت".. صورة قريبة لأسرة يمنية في زمن الحرب

الفيلم التسجيلي أشبه بيوميات مخرجته سارة إسحاق أثناء إقامتها في اليمن، بل وكأنه مذكرات توثق للثورة اليمنية.
حوار البيوت المغلقة لا يخلو من السياسة

يقدم فيلم “بيت التوت” إطلالة قريبة على أسرة يمنية في زمن الحرب، فهو أشبه بفيلم تسجيلي ليوميات مخرجته سارة إسحاق أثناء إقامتها في اليمن، وهو أشبه أيضا بمذكرات شخصية للمخرجة عن أسرتها وعن الثورة اليمنية.

أسرة سارة هي نموذج لأسرة يمنية تقليدية من الطبقة الوسطى، يتحمس أفرادها للثورة ويشاركون في أحداثها، يتولى الأب إعداد الوجبات لثوار ساحة التغيير بالعاصمة ويشارك في المسيرات الاحتجاجية بحماس، غير أن الجد الذي تخطى الثمانين يحذّر الجميع من الانجراف في التفاؤل، فالنظام الفاسد يصعب اقتلاعه، كما يقول.

ونشأت سارة في اليمن لأب يمني وأم اسكتلندية، ثم قرّرت في سن السابعة عشر أن تنتقل للعيش في اسكتلندا مع أمها بعد انفصال أبويها، وبعد مرور عشرة أعوام تعود الفتاة إلى اليمن للبحث عن ماضيها، ولإعادة التواصل مع جذورها.

وتزامنت زيارة المخرجة-البطلة إلى اليمن مع بدايات الاحتجاجات الشعبية هناك، لتجد نفسها في خضم الأحداث الملتهبة، ووطنها يشرف على اندلاع ثورة، فتقرّر البقاء والمشاركة في ما يحدث.

وسجلت سارة كل هذه الأحداث عن طريق الفيديو لتخرج في النهاية بفيلم يوثق لما حدث تحت عنوان “بيت التوت”، وهو الفيلم الوثائقي الثاني للمخرجة اليمنية، بعد فيلمها القصير الأول “ليس للكرامة جدران”.

وفي الفيلم يصبح همّ البطلة اليومي هو تصوير المظاهرات وجنازات الشهداء التي لا تتوقّف، فتستعين بها هيئة الإذاعة البريطانية كمراسلة صحافية لها، تنقل ما يدور على الساحة اليمنية من أحداث.

وفي أحد الأيام كانت سارة عائدة للتو من إحدى الجنازات، فوجدت أطفال البيت يأكلون التوت من الشجرة المزروعة في ساحة بيتهم، تقول سارة “كان أثر التوت على فم الأطفال شبيها بأثر الدم على شفاه الشهداء حينها”. وترحل سارة عن اليمن في ما بعد ثم تعود مرة أخرى لتجد أن هناك المزيد من التغيّرات، فعمها المعتقل قد تم الإفراج عنه، كما أن الكثير من الفتيات اليمنيات استبدلن النقاب بالعباءة، فتدرك أن ما حدث وما يزال يحدث إلى اليوم في اليمن سيكون له مردوده في المستقبل، ليس على مستوى السياسة فقط، بل على مستوى الأفكار والعلاقات الاجتماعية والعادات الموروثة أيضا.

فيلم “بيت التوت” يعتمد على التصوير عبر كاميرات غير احترافية نتيجة للأوضاع المحيطة، فبدت الصورة أكثر خشونة وأقل نقاء، لكنها لم تفقد حميميتها على كل حال

وتبدو أحداث الفيلم فضفاضة للغاية ومن دون رابط ثابت، خاصة مع عدم وجود سياق سياسي، بالإضافة إلى حالة السيولة التي اتسمت بها الأحداث في اليمن مع بدايات الثورة، غير أن المخرجة سارة إسحاق نجحت في غمرنا بتلك المشاعر الحميمة للعائلة الممتدة: الجد والأب والأحفاد وأبناء العم، إلى جانب تسليطها الضوء على أثر هذه الاضطرابات التي تحدث في الخارج على العلاقات بين أفراد أسرتها، ولعل حياتها بين ثقافتين قد مكّنتها من التقاط هذه التفاصيل الخاصة بسهولة، وهي المتمرّدة التي تعلن رأيها صراحة أمام الجميع.

يبدأ الفيلم بصور حميمة تجمع أفراد الأسرة، ومشاهد قصيرة من شرائط فيديو قديمة لسارة وهي طفلة تلعب مع أبناء عمومتها، لكن سرعان ما تتحول هذه الأجواء تماما حين تتوارد عبر التليفزيون أنباء الاحتجاجات ضد الرئيس السابق علي عبدالله صالح.

وعندها تتخذ الأحداث أبعادا أخرى أكثر قوة ودرامية، ولأول مرة ترى فيها دموع والدها تنهمر علنا أمامها، تكتشف سارة وجها آخر لوالدها غير الصورة القاسية التي انطبعت في ذهنها، كما تكتشف أيضا أبعادا أخرى لما يعنيه التمسك بالجذور، وهي الشابة المنفتحة والمعلقة بين ثقافتين.

ويبرز الفيلم أيضا أثناء الثورة بعض الاحتياجات العادية والبسيطة لأفراد الأسرة، حين تتمنى إحدى فتيات البيت عودة الكهرباء قبل موعد عرض برنامجها الكارتوني المفضل في الصباح. ومن بين النقاط الإيجابية التي يظهرها الفيلم هو تصويره للنساء داخل البيت اليمني على نحو أكثر قربا ممّا شاهدناه في الكثير من الأفلام الوثائقية المشابهة.

ويعتمد فيلم “بيت التوت” على التصوير عبر كاميرات غير احترافية نتيجة للأوضاع المحيطة، فبدت الصورة أكثر خشونة وأقل نقاء، لكنها لم تفقد حميميتها على كل حال.

وسارة إسحاق مخرجة يمنية اسكتلندية ولدت عام 1984، وترشح فيلمها الأول “ليس للكرامة جدران” لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم وثائقي.

16