"بيت الذاكرة".. الدليل على الإيمان المغربي بالتعدد

زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس للصويرة تعكس الاهتمام بالموروث الثقافي للطائفة اليهودية المغربية.
الجمعة 2020/01/17
اشتراك في المواطنة

الإيمان المغربي بأن التنوع الحضاري والتعدد الديني هما عاملا إثراء وإغناء للبلد والمجتمع، أوصل البلاد إلى حالة تعايش مجتمعي واضحة، ويسّر صياغة خطاب ديني هادئ ورصين، يفهم الإسلام بكونه دينا يتحاور مع بقية الأديان ولا يُسيّجُ معها العلاقات. ولذلك تتواتر المناسبات التي يعبر فيها المغرب عن فخره بمكوناته الدينية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من النسيج المجتمعي المغربي، الذي توحده المواطنة ولا تفرقه الأديان. وفي هذا الإطار أدى العاهل المغربي الملك محمد السادس زيارة لبيت الذاكرة في مدينة الصويرة، وهو فضاء تاريخي وثقافي وروحي لحفظ الذاكرة اليهودية المغربية وتثمينها.

الصويرة (المغرب) - أدى العاهل المغربي الملك محمد السادس الأربعاء زيارة لـ”بيت الذاكرة” بمدينة الصويرة، وتفقّدَ ورشات تأهيل المدينة العتيقة وترميمها، وأقام مأدبة عشاء على شرف أعضاء الطائفة اليهودية المغربية وكبار الشخصيات التي جاءت من مختلف أنحاء العالم لحضور هذا الحدث الكبير.

وتميزت هذه المأدبة بحضور مستشاري الملك فؤاد عالي الهمة وأندري أزولاي وياسر الزناكي وأعضاء من الحكومة والمديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، أودري أزولاي وسفير ألمانيا بالرباط غوتس شميت بريم والأمين العام للطائفة اليهودية بالمغرب سيرج بيرديغو والحاخام الأكبر بجنيف إسحاق دايان والمدير التنفيذي لفيدرالية السفارديم الأميركية جيسون غوبيرمان والفنان الكوميدي جاد المالح والعديد من الشخصيات السامية.

ويعد “بيت الذاكرة” بالمدينة العتيقة للصويرة فضاء تاريخيا وثقافيا وروحيا لحفظ الذاكرة اليهودية المغربية وتثمينها، وهو فريد من نوعه في منطقة جنوب البحر المتوسط وفي العالم الإسلامي.

أودري أزولاي: الصويرة اكتسبت صفة العالمية بفضل موروثها وتنوعها
أودري أزولاي: الصويرة اكتسبت صفة العالمية بفضل موروثها وتنوعها

ويحتضن هذا الصرح الروحي والتراثي، بعد الانتهاء من أشغال ترميمه، كنيس “صلاة عطية” ودار الذاكرة والتاريخ “بيت الذاكرة” و”المركز الدولي للبحث حاييم وسيليا الزعفراني” حول تاريخ العلاقات بين اليهودية والإسلام.

وتعكس زيارة الملك لهذا الفضاء العناية الخاصة التي يوليها للموروث الثقافي والديني للطائفة اليهودية المغربية، وإرادته الراسخة في المحافظة على ثراء وتنوع المكونات الروحية للمملكة وموروثها الأصيل.

وبهذه المناسبة، أدى المنشد ميشال أبيتان بعض الترانيم الدينية، قبل أن يتلو الحاخام الأكبر للدار البيضاء جوزيف إسرائيل دعوات بارك فيها الملك.

ألقى أندري أزولاي مستشار الملك والرئيس المؤسس لجمعية الصويرة – موغادور، كلمة أكد فيها أن زيارة الملك تؤشر إلى نهضة هذه المدينة التي لطالما كانت منفتحة على باقي العالم، مشيرا إلى أنه يوم تاريخي يحمل بصمة “مغربنا العريق” الذي تمكن من الحفاظ على تنوعه الكبير.

وأضاف أزولاي أن “هذا البيت هو بيت للذاكرة والتاريخ، كما يُعدُّ بمثابة تلك البوصلة المغربية التي يحتاجها العالم اليوم. عالم يبحث عن مرجعيات، عالم يدير ظهره لكل القيم، التي هي في الأصل قيم بلدنا، بقيادة أمير المؤمنين”.

ويعدّ بيت الذاكرة، الذي يجعل من كنيس “صلاة عطية” مركز جاذبيته، مكانا للذاكرة يروي بواسطة المعروضات والنصوص والصورة والشريط، تلك الملحمة الفريدة للديانة اليهودية بمدينة الصويرة وموروثاتها، انطلاقا من طقوس تقديم الشاي، مرورا بفن الشعر اليهودي، ثم صياغة الذهب والفضة والطرز وخياطة القفطان، فالفنون الثقافية والأدب والعادات الصويرية بالكنيس، وصولا إلى المحلات التجارية الكبرى التي شكلت إشعاع موغادور في القرنين الـ18 والـ19.

بيت الذاكرة، الذي يقدم تعريفا لجميع مراحل حياة اليهود بالصويرة، منذ الميلاد إلى الوفاة، ومنذ بلوغ الشاب اليهودي سن الـ13 (بار ميتزفاه) إلى بلوغ سن الزواج، يعتبر أيضا فضاء تعليميا بفضل “المركز الدولي للبحث حاييم وسيليا الزعفراني” حول تاريخ العلاقات بين اليهودية والإسلام، والذي يشكل فضاء للتبادل بين الباحثين من مختلف الآفاق، وفضاء للتشارك ومقاومة فقدان الذاكرة.

شاهد على تنوع المغرب

"بيت الذاكرة" يعد فضاء تاريخيا وثقافيا لحفظ الذاكرة اليهودية المغربية وتثمينها
"بيت الذاكرة" يعد فضاء تاريخيا وثقافيا لحفظ الذاكرة اليهودية المغربية وتثمينها

في سياق الاعتراف الدولي بالأهمية التاريخية لمدينة الصويرة أكدت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، أودري أزولاي، أن مدينة الصويرة، التي زار الملك محمد السادس “بيت الذاكرة” في مدينتها العتيقة الأربعاء، تقف شاهدا على تنوع المغرب وغناه وتعدديته الثقافية.

وقالت أزولاي إن “بيت الذاكرة”، الفضاء التاريخي والثقافي والروحي لحفظ الذاكرة اليهودية المغربية وتثمينها، وزيارة الملك له، يعدان بمثابة “رسالة مهمة تؤكد تنوع المغرب وتعددية ثقافاته التي تشكل غناه”.

وأبرزت أزولاي أن مدينة الصويرة اكتسبت صفة العالمية وحازت على اعتراف المجتمع الدولي من خلال منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، وذلك بفضل موروثها ومدينتها العتيقة التي صُنّفت ضمن التراث الإنساني العالمي.

وأضافت المديرة العامة لليونيسكو أن التراث اللامادي للمدينة حظي هو الآخر باعتراف المنظمة العالمية، لاسيما ثقافة كناوة المميزة في موسيقاها وطقوسها ودلالاتها، وأشارت إلى أن هذه الموسيقى تستمد مقوماتها ومعانيها داخل الصويرة من خلال “المعلمين” الذين ينضحون بالحياة.

وإلى جانب تمتعها بالتعددية والتنوع والحياة الثقافية من خلال الرقص والموسيقى والرياضة كذلك، نوهت أزولاي إلى أن مدينة الصويرة اكتسبت أيضا صفة الحداثة بانضمامها مؤخرا إلى شبكة اليونيسكو للمدن المبدعة، وهو ما يعطيها دفعة للسير قدما نحو المستقبل.

حكايات عن التعايش

"بيت الذاكرة" يعطي دفعة قوية لقيم السلام والانفتاح
"بيت الذاكرة" يعطي دفعة قوية لقيم السلام والانفتاح

أكدت رئيسة اللجنة العلمية لـ”بيت الذاكرة” بالمدينة العتيقة للصويرة، مينة المغاري أن هذا الصرح الروحي والتراثي الذي زاره الملك محمد السادس يعد تكريسا “للاستثناء المغربي” في مجال الحوار بين الأديان.

وقالت المغاري إن “بيت الذاكرة” سيكون بمثابة “مركب يبرز التراث التاريخي والثقافي الذي تحتضنه مدينة الصويرة”، وسيشكل “دعوة لإعادة اكتشاف الاستثناء المغربي” في مجال الحوار والتعايش بين الأديان.

وأوضحت أن هذه المؤسسة ستحكي ذاكرة مدينة الصويرة وتاريخ الوجود اليهودي بها منذ القرن الـ18 إلى اليوم، مبرزة أن تاريخ المملكة ينطوي على “حكايات جميلة من التقارب والتعايش بين اليهود والمسلمين المغاربة سيسهر بيت الذاكرة على التعريف بها”.

وأبرزت أن “بيت الذاكرة” سيقدم وثائق تاريخية وتحفا وصورا لهذه “الحاضرة العالمية التي نفتخر بها باعتبارنا مغاربة”، مشيرة إلى أن هذه المؤسسة تضم فضاء تعليميا ومتحفيا يحكي بالصورة وبالوثائق السمعية البصرية ذاكرة المدينة وتاريخ الوجود اليهودي بها، إضافة إلى فضاء مخصص لاحتضان مركز دولي للدراسات حول تاريخ الديانة اليهودية والإسلام في المغرب والدول الأخرى.

أكد الفنان الكوميدي الفرنسي – المغربي جاد المالح أن “بيت الذاكرة” بالمدينة العتيقة للصويرة الذي زاره الملك محمد السادس، يعطي دفعة قوية لقيم السلام والحوار والانفتاح التي تروج لها المملكة المغربية.

وقال جاد المالح إن زيارة الملك لهذا الصرح الروحي والتراثي تعد بمثابة “إشارة قوية” من جانبه إلى الطائفة اليهودية بالمغرب والمجتمع الدولي والمتتبعين عبر العالم “لإعطاء دفعة للسلام والحوار والانفتاح”.

وبعدما أكد أن المغرب يعد نموذجا فريدا من نوعه في العالم للحوار بين الديانات في وقت صار فيه من الصعب تحقيق ذلك في باقي البلدان، اعتبر الفنان الكوميدي أن المملكة تبعث اليوم “برسالة سلام وانسجام ولحمة وتفاهم وحوار بين الطوائف”.

13