بيت الرزاز في القاهرة تاريخ يقاوم الإهمال

تعتبر العمارة الإسلامية من أهم فنون الهندسة التي عرفها التاريخ وتشهد على ذلك العديد من المعالم التي تزين العواصم العربية القديمة، لكن هذا الإرث يعاني من بعض الإهمال من قبل السلطات المشرفة عليه كما في بيت الرزاز في القاهرة.
الأربعاء 2015/11/11
عائلة الرزار لا تملك حماية المبنى من هجوم التجار على مداخل البيت

القاهرة- تحفل منطقة القاهرة بالعديد من الآثار الإسلامية المهمة، لكن يبقى بيت الرزاز الذي يطل على شارعي باب الوزير وسوق السلاح من أعرق العمائر الإسلامية الموجودة حتى الآن، حيث صمد أمام موجات الإهمال ومحاولات السطو على محتوياته على مدار عقود مختلفة، حتى انتبهت له مؤخرًا وزارة الآثار المصرية وبدأت مشروعا طموحا لترميمه.

تاريخ إنشاء بيت الرزاز محل خلاف بين خبراء الآثار، حيث يرجح أغلبهم أن بناءه بدأ في القرن الخامس عشر في فترة حكم السلطان المملوكي قايتباي، لكن الشكل الذي تحول بموجبه إلى مجمع سكني ضخم يمتد على مساحة 3400 متر مربع ويضم 170 غرفة، حصل عليه بعدما قام الأمير أحمد كتخدا الرزاز أمير طائفة الرزازين في العهد المملوكي ببناء الجزء الغربي من البيت، ثم تم دمج المنزلين ليصبحا سكنا للعائلتين.

ينقسم بيت الرزاز إلى قسمين الأول يسمى بالقسم الشرقي الصغير المطل على شارع باب الوزير، أما القسم الثاني فهو القسم الغربي الكبير من منزل الأمير مصطفى كتخدا الرزاز بسوق السلاح واكتمل بناؤه عام 1778.

البناء كان عبارة عن منزل ذي رواق واحد بني في عهد السلطان قايتباي ملاصقا لمدرسة أم السلطان الأشرف شعبان، ويضم مجموعة من القاعات الصغيرة، ومقعدا قمريا وشباكا في الدور الأرضي، إضافة إلى القاعة الصغرى الواقعة بالضلع الجنوبي الشرقي من الفناء الأول (الشرقي الصغير) من المنزل الحالي.

البعثات الأجنبية ومراكز البحوث الدولية اهتمت ببيت الرزاز، في حين أن المشرفين على وزارة الآثار لا يدركون قيمة المنزل التاريخية لعدم خبرتهم

أما الجزء الغربي الذي بني لاحقا، فقد كان أكثر تميزا في الجمال المعماري، فبالنسبة إلى المدخل الرئيسي للمنزل المطل على سوق فقد اسُــتخدمت فيه الكوابيل الحجرية متراصة في ثلاثة صفوف بشكل هندسي بديع لحمل السقف الذي كان يغطي الجزء البارز من هذا المدخل.

الباحث في الآثار والعمارة الإسلامية محمود رمضان، شرح في تصريحات لـ”العرب” تاريخ طائفة الرزازين التي يعود إليها البيت الشهير، فقال “إن الحكم العثماني من أجل تدعيم سيطرته على البلاد كوّن العديد من الوجاقات (الطوائف) العسكرية بهدف حماية البلاد من الغزاة وفي الحقيقة ضمان بقائها تحت السيطرة العثمانية، وحصلت كل فرقة أو طائفة عسكرية على لقب فظهرت ‘طائفة مستحفظان’ و’طائفة عزبان’ التي ينتمي إليها الرزازون”.

لكن مع ضعف الدولة العثمانية تحولت بعض الطوائف لامتهان الحرف المختلفة، وصل عدد الطوائف في تلك الفترة إلى 71 طائفة، منها العطارون والنحاسون والمغربلون والجواهرجية.

أشار رمضان إلى أن طائفة عزبان حصلت على اسمها من مؤسسيها اللذين كانا أميرين من قادة الجيش العثماني أجبرا على عدم الزواج خلال فترة خدمتهما العسكرية، ليحصلا لاحقا على لقب “كتخدا العزبان” وهو اللقب الذي تم توريثه لنسلهما.

أما لقب الرزازين فحصلت عليه الطائفة لأنها كانت من تجار الأرز في القاهرة والأقاليم، حيث ازدهرت زراعة الأرز بدمياط ورشيد وهما فرعا نهر النيل بدلتا مصر، وكذلك المناطق المحيطة بهما، وأنشئت مضارب الأرز بتلك المدينتين (هي آلات تستخدم في تنقية الأرز وفرزه وتنقيحه)، تمهيدًا لبيعه للمستهلكين والتجار الذين ينقلونه إلى كل أجزاء السلطنة العثمانية بمصر والشام وتركيا وأوروبا.

عمر الرزاز أحد أحفاد الأمير أحمد كتخدا الرزاز قال لـ”العرب” إن عائلته لا تزال تتمركز في محافظة الدقهلية في دلتا مصر، لكنه أضاف بحسرة أن العائلة لا تستطيع رعاية الأثر الذي تركه عميدها، ولا تملك حتى دفع الإهمال عنه، مشيرا إلى أن مداخل البيت الأثري تحولت إلى محال تجارية استأجرها بعض العوام من وزارة الأوقاف التي تشرف على المنزل، كما تم فتح إحدى غرف المنزل وتحويلها إلى محل “منجّد” وهو الذي يقوم بصناعة المراتب والوسادات من القطن.

البناء كان عبارة عن منزل ذي رواق واحد بني في عهد السلطان قايتباي ملاصقا لمدرسة أم السلطان الأشرف شعبان، ويضم مجموعة من القاعات الصغيرة

صوفيا عبدالهادي مسؤولة وزارة الآثار في منطقة الدرب الأحمر والسيدة عائشة، الواقع في نطاقها بيت الرزاز، اعترفت في تصريحات لـ”العرب” بأن العديد من المعالم الأثرية التابعة لوزارة الأوقاف تعاني من الإهمال الشديد، وأن الوزارة تتعامل مع تلك الآثار دون أن يدرك الموظفون فيها قيمتها التاريخية والأثرية، وهم معذورون في ذلك لأنهم لا يملكون لا الخبرة ولا الحس التاريخي الجمالي.

وتابعت، أن وزارة الآثار المصرية حاولت مرارًا مع المسؤولين في الدولة استعادة تلك الآثار من وزارة الأوقاف للحد من المشاكل المعمارية التي تترتب عن تفاقم إهمال الصيانة والترميم لكن بلا فائدة.

وقد اهتمت البعثات الأجنبية ومراكز البحوث الدولية بهذا المنزل، ففي سنة 1977، قام مركز البحوث الأميركي بالقاهرة بإعداد دراسة أولية لفكرة مشروع ترميم متكامل للمنزل المذكور.

لاحقا توقف مشروع الترميم الخاص بالبيت لمدة 9 سنوات متتالية حتى عام 2001، حتى عاد المركز لمواصلة استكمال الدراسات التي كان قد بدأها لترميمه.

وتم تنفيذ المشروع بداية من عام 2003، وتسليمه لهيئة الآثار في عام 2007، لكن العمل اقتصر في تلك المرحلة على الجزء الشرقي الأقدم، بسبب ضعف الميزانية المخصصة للترميم، ومؤخرا أدرجت وزارة الثقافة الجزء الغربي ضمن خطة ترميم معالم القاهرة.

20