"بيت السحيمي" منزل التراث والثقافة المصرية عبر العصور

الاثنين 2013/12/09
إحدى قاعات بيت السحيمي ذات المشربيات الخشبية المميزة

القاهرة- يعتبر "بيت السحيمي" الواقع في شارع المعز الفاطمي من بين أكثر الأماكن التراثية التي تحتضن اليوم عروضا ثقافية وفنية تعبر عن الهوية المصرية التراثية، وهو بيت عربي تقليدي في مدينة القاهرة بني على مساحة 2000 متر مربع بالدرب الأصفر الذي يتفرع من شارع المعز لدين الله في عام 1648 م وقد سمي البيت باسم آخر من سكنه وهو الشيخ محمد أمين السحيمي الحربي من الجامع الأزهر.. ويستخدم كمتحف للعمارة التقليدية.

ويعد بيت السحيمي أحد البيوت القلائل التي تنتمي إلى هذا العصر ولم تزل محتفظة بحالتها المعمارية الأصلية رغم توالي العصور عليها، وتخضع تصاميم العمارة في ذلك العصر إلى ثلاثة عوامل وهي الدين، والظروف الاجتماعية، والمناخ الجغرافي، وهو ما نلمسه في أركان المنزل، فاستجابة للظرف الاجتمـاعي ذي الجذور الدينية تعمد المصمم أن يقسم المنزل إلى قسمين أحدهما خاص بالنساء أو "الحريـم" كمـا كان يطلق عليهن في ذلك الوقت، ومعناهـا المحرم على الغرباء والمحلل لرب المنـزل فقـط، وآخر خاص بالرجـال خاصة من الغرباء عن أهل البيت.

أما التختبوش، فهو اسم يطلق حينها على الشرفة، ويوجد في البيت شرفات معدة لاستقبال الضيوف صيفًا فهي بإطلالتها المباشرة على الحديقة الداخلية للمنزل تعد أنسب الأماكن لذلك، والأثاث داخل التختبوش عبارة عن عدد من الدكك الخشبية ذات الطابع الإسلامي ومنضدة صغيرة تتوسط المكان، كما يوجد مكان آخر شتوي ومغلق معد للضيوف يقع في صحن المنزل من الداخل ويسمى المندرة أو قاعة الاستقبال.

ومن خارج المنزل تظهر المشربيات الخشبية الشهيرة متناثرة بدقة وجمال، وبالإضافة إلى صيغتها الجمالية التي لا تخطئها أعين الفنان، فإن لها وظيفة اجتماعية هامة ومكملة لوظيفة الحرملك، فمن وراء هذه المشربيات يمكن للنسوة أن يشاهدن ما يحدث في الشارع دون أن يراهن المار فيخدش حياءهن فإذا أردن شراء سلعة ما من بائع متجول فهناك شباك صغير في المشربية يمكن رفعة لأعلى بسهولة وإدلاء وعاء مناسب يضع البائع لهن ما يردن فيه دون أن يراهن.

وللمشربية وظيفة تتعلق بالمناخ الحار في القاهرة، فبداخلها توضع القلل الفخارية المملوءة بالماء وذلك فوق رف خاص يقوم بمقام الثلاجة الآن، ولعل هذه الوظيفة هي الأساس الذي بنيت عليه فكرة إنشاء المشربية حيث أن كتب التراث ترجع أصول الكلمة إلى فعل يشرب.

وقد انفردت البيوت المصرية في ذلك العصر بوجود دورات للمياه بداخلها في وقت كانت أوروبا لا تعرف إلا الحمامات العامة، والحمام في بيت السحيمى عبارة عن حجرة لها سقف بها قبة من الأسمنت وبها فتحات مستديرة زجاجية تقوم بتجميع أشعة الشمس بغرض الإضاءة، وهناك حمامان أحدهما صيفي لا تدخله إلا المياه الباردة والآخر شتوي يمد بالماء الساخن عن طريق أنابيب خاصة ويستخدم هذا الحمام الشتوي أيضًا لإجراء جلسات التدليك.

وجد من خلال حفريات في أحواش المنزل أن البناء الحالي يقوم فوق أنقاض وبقايا مبان أقدم منه قد ترجع إلى العصر الفاطمي

ولأن الحياة السياسية لم تكن مستقرة في تلك الفترة التاريخية؛ فقد كان لزامًا أن يتوفر كل منزل على عدد من الأبواب السرية التي تبدو كأنها جزء من الحائط ولكن بطريقة معينة تفتح لتؤدي إلى الحديقة ثم إلى خارج المنزل تمامًا تمكن متساكنيه من الفرار في حال الخطر، وبعض هذه المنازل كانت تحتوي سراديب تمتد تحت الأرض تنقل إلى الخارج مباشرة، وفي "بيت السحيمي" لا تزال هذه المنافذ موجودة إلى اليوم.

ويتكون بيت السحيمي من قسمين: قسم جنوبي أنشأه الشيخ عبد الوهاب الطبلاوي سنة 1648 ميلادي، وقسم شمالي أنشأه الحاج إسماعيل شلبي 1796 ميلادي وربطه بالقسم الأول وجعل منهما بيتًا واحدًا، أما التسمية فهي نسبة إلى آخر مالك له وهو السيد محمد أمين السحيمي شيخ رواق الأتراك بالجامع الأزهر الذي توفي سنة 1928 ميلادي، وكسيت جدران بعض قاعات البيت بألواح من الخشب أو بالخزف، كما غطيت الأرضيات بالرخام وزينت جدران بعض القاعات بأبيات من قصيدة البردة للبوصيري، ويتوسط بيت السحيمي الفناء الأوسط أي الحديقة التي تتوزع حولها وحدات البيت.

كما يطل على الفناء القاعات العلوية من خلال مشربيات من خشب الخرط والتي تعد واحدة من روائع الفنون الإسلامية وإحدى سماته المميزة حيث تطل من خلالها قاعات الحريم على الفناء.

ولأن هذا البيت يعد واحدا من روائع العمارة الإسلامية المدنية الباقية في مصر من العصر العثماني فقد تم افتتاحه عام 2000 ليصبح صرحًا للثقافة والفن الشعبي، وأكد السيد محمد نصار مفتش الآثار ببيت السحيمي، أن عمر البيت لا يتجاوز 350 سنة إلا أن موقعه كان عامرا بالمباني منذ بناء القاهرة في العصر الفاطمي، وقد وجد من خلال حفريات قام بها مشروع توثيق وترميم البيت في أحواش المنزل أن البناء الحالي يقوم فوق أنقاض وبقايا مبان أقدم منه قد ترجع إلى العصر الفاطمي.

12