بيت الشعر القيرواني يحتفي بالشاعرين محمد الكنايسي وعبيد العياشي

لا شيء يضاهي عودة المبدع إلى مسقط الرأس بعد سنوات من التجوال والمغامرة والحياة بعيدا، حيث العودة بمثابة استرجاع الطفل الذي لا يموت في ذات المبدع، ذاك الذي يبقى صوتا أبديا يرافقه حيثما كان تماما مثلما يرافقه مكانه الأول. لذا على المدائن أن تحتفي بمبدعيها حتى لو ابتعدوا عنها.
الثلاثاء 2017/08/29
بهجة العودة إلى مسقط الرأس

مساء يوم الخميس الرابع والعشرين من شهر أغسطس من هذا العام، أقام بيت الشعر في مدينة القيروان حفلا تكريميّا بهيجا للشاعرين محمد الكنايسي الذي يقيم في دمشق منذ السبعينات من القرن الماضي، وعبيد العياشي العائد من العراق إثر إقامة في بغداد استمرت أربعين عاما. وعلى مدى ساعة ونصف الساعة، وأمام جمهور غفير جله من الشابات والشبان، قرأ كل من الشاعرين قصائد متنوعة عبّرا من خلالها عن أوجاعهما الداخلية في زمن اشتدت فيه الكوارث، وضاعت الأحلام والآمال، وانسدّت الآفاق فلم يتبق سوى الشعر لمداواة الجراح النازفة.

وكان محمد الكنايسي وعبيد العيّاشي قد تعارفا في منتصف الستينات من القرن الماضي عندما كانا يدرسان في ثانوية حفوز، غرب محافظة القيروان التونسية. وفي سنّ مُبكّرة، شرعا في نظم الشعر، وأحرزا على عدد من الجوائز الأدبية، ونشرا قصائدهما على صفحات الجرائد والمجلات التونسية. وفي مطلع السبعينات افترقا فلم يلتقيا إلاّ في القيروان بعد أزيد من أربعين سنة.

صوتان شعريان

في كلمتها الترحيبيّة، قالت الشاعرة جميلة الماجري التي تدير بيت الشعر إن القيروان فخورة وسعيدة باستعادة شاعرين من شعرائها العاشقين لها. ورغم أنهما عاشا بعيدين عنها، فإنها ظلت تسكنهما مثل الجمرة فلم تغب عن قصائدهما أبدا.

وأضافت جميلة الماجري قائلة إن تجربتَيْ محمد الكنايسي وعبيد العيّاشي تشكلان أهمية بالغة إذ أنهما تمنحان الشعر التونسي الحديث أبعادا تخرجه من المحلية الضيقة والخانقة، وتحرره من المواضيع المجترة والمكرورة، وتتيح له الانفتاح أكثر على التجارب الشعرية في المشرق العربي. وفي الكلمة التقديمية التي خصّ بها محمد الكنايسي، قال الشاعر والمسرحي المعروف البشير القهواجي، إنه تعرف على هذا الشاعر في مرحلة المراهقة ليجده منجذبا مثله إلى الشعر. وبنهم كان يقرأ الشعر العربي القديم، والشعر العربي الحديث، وأيضا الشعر الغربي، مبديا إعجابا كبيرا بشعراء أمثال بودلير، ورامبو، ولوترايامون. كما أنه كان يظهر اهتماما بالفلسفة. وكل هذا كان له تأثير على مسيرته الشعرية التي نضجت وتعمّقت في دمشق.

شاعران يعودان إلى القيروان ويقرآن قصائد مفعمة بالوجع والأمل والحب والحنين إلى سنوات الطفولة والشباب

ويرى القهواجي أن هذا النضج وهذا العمق يتجليان في الديوان الذي أصدره مؤخرا محمد الكنايسي في دمشق بعنوان “ديوك الغريب”. وقد حفل هذا الديوان الضخم بقصائد بديعة تعكس حالات الشاعر في أوضاع مختلفة ومتعددة، وتكشف بالخصوص عن هواجسه وكوابيسه في زمن موسوم بالرعب والانتظار. ففي قصيدة “أمنية”، يقول محمد الكنايسي:

متى أستريحُ

وتأخذني أيّها الأزرق المرتجى

فأنت ملاذ ُالجريح

ومن تاه فيك نجا

هنيئا لمن أغرقته البحار

فقد مات مُبتهجا

وقبل أن يقرأ مجموعة من قصائده التي تضمّنها ديوانه المذكور، أشار الكنايسي إلى أنه عاش سنوات طويلة وهو عازف عن كتابة الشعر، منصرفا عنه فلا يرى فيه فائدة، أو تأثيرا على ما يعيشه من هموم ومآس. ثم فجأة تدفقت الكلمات بغزارة فبات يكتب أكثر من قصيدة في اليوم الواحد. وقد أنقذه هذا الدفق الشعري من حال الإحباط واليأس المر التي عاشها على مدى سنوات طويلة. وفي قصيدة بعنوان “شوق” كتبها بتاريخ 27-12-2015، هو يقول:

قال لي حفارُ قبري

أنا مشتاق إليك

قلت لا تفرحْ كثيرا

ليس أمري في يديك

إن يكن قد جاء دوري

فغدا دور عليك

كثير من الحب للكائنات

كثير كثير من الرقص والشعر

والضمّ والشمّ

والأغنيات

كثير كثير من القبلات

هكذا ينبغي أن تكون الحياة

ومتجاوبا مع قصيدة بدر شاكر السياب الشهيرة “أنشودة المطر”، كتب محمد الكنايسي يقول:

إسمك يا حبيبتي مطرْ

نهداك يصرخان بالمطر عيناك غيمتان خضراوان يَهْمي منهما المطر

وصوتك المبلول بالمطر

صوت المطرْ

وفي تراب قلبك الحزين

ينبت المطر

وقد صفق جمهور بيت الشعر القيرواني طويلا لقصيدة قرأها محمد الكنايسي عن القيروان، مبرزا صورتها الحقيقية الخفية والمتستّرَة، ومهملا تاريخها، وأمجادها القديمة التي طالما تغنى بها شعراؤها الكلاسيكيون. وفي هذه القصيدة هو يقول:

من شدة التأثر، توقف عبيد العياشي أكثر من مرة عن القراءة عاجزا عن حبس دموعه التي كانت تنهمر بغزارة

لضربة شمسك أشتاقْ

يا خلطة من شقاء المكان

وعطر الأبدْ

ويا زمنا لم يعدْ

ويا شبق الروح قبل الجسدْ

ويا غيبة البحر حتى البكاء

ويا قبلة للمجانين والبؤساء

ويا متحفا للمجاذيب والأولياء

العودة المؤثرة

وفي كلمته التقديمية، قال كاتب هذه السطور إنه تعرف على عبيد العياشي في ثانوية حفوز في سنوات المراهقة. وكان فتى خجولا مرتبكا لا يجد الخلاص إلاّ في كتابة شعر يتغزل فيه بالحبيبة التي لم يكن قادرا على الاقتراب منها لكثرة العيون التي تراقب في ظلمة الليل، ونور النهار، حركات وسكنات العاشقين. وكانت الحبيبة تهديه قبلات بإشارات من يدها فيزداد حبا وتعلقا بالشعر.

كان عبيد العياشي يفوز بكل جوائز المسابقات الشعرية في ثانوية حفوز. وعندما انتقل إلى العاصمة في مطلع السبعينات من القرن الماضي، ازدادت تجربته الشعرية تعمقا بحكم قراءاته للشعر العربي الحديث، وللشعر العالمي، واكتشافه للتيارات الفنية الطلائعية في مجال الموسيقى والسينما تحديدا. وعندما سافر إلى بغداد لاستكمال تعليمه العالي، انقطع العياشي عن كتابة الشعر، ولم يعد إليه إلاّ في السنوات الأخيرة، أي بعد عودته إلى تونس وقد تجاوز الستين من عمره.

وقرأ العياشي قصائد مفعمة بالوجع والأمل والحنين إلى سنوات الطفولة والشباب في مسقط رأسه حفوز، ثم في تونس العاصمة، متذكرا أصدقاء قدامى تقاسم معهم حب الكلمة، ومن رحيقها العذب شرب وانتشى. ومن شدة التأثر، توقف عبيد العياشي أكثر من مرة عن القراءة عاجزا عن حبس دموعه التي كانت تنهمر بغزارة.

14