بيت الشعر القيرواني يحتفي بالشعراء التونسيين من كافة الأجيال

الثلاثاء 2017/12/12
احتفاء بالشعر

بمناسبة مرور سنتين على تأسيس بيت الشعر بها، عاشت مدينة القيروان يومين من 7 إلى 9 ديسمبر، تظاهرات أدبية وشعرية شارك فيها شعراء ونقاد وفنانون من مختلف أنحاء البلاد التونسية. وقد واكب كل هذه التظاهرات وفد من إمارة الشارقة، التي يعود إليها الفضل في تأسيس بيت الشعر بالمدينة، ترأسه عبدالله محمد العويص رئيس دائرة الثقافة والإعلام.

في حفل الافتتاح الذي انتظم بمتحف الأغالبة بضاحية رقادة، رحبت الشاعرة جميلة الماجري بالحضور، مذكرة بالعمق التاريخي للقيروان وأعلامها من شعراء وأدباء مثل ابن رشيق وابن شرف والحصري، ومثمنة مبادرة إنشاء بيت للشعر في القيروان.

وخصص اليوم الأول من التظاهرة لندوة نقدية حول “تراشح الشعر التونسي القديم والحديث-الصوت والصدى”، شارك فيها كل من الشاعر المنصف الوهايبي والجامعي الصحبي العلاني والجامعية فوزية الصفار.

وقال مقدم الندوة الجامعي حاتم الفطناسي إنه يعني بالتراشح التأثيرات التي تحدث بين الشعراء فتأتي قصيدة هذا أو ذاك وكأنها صدى لقصيدة لشاعر من زمنه، أو من زمن آخر بعيد، مضيفا أن البعض من الشعراء التونسيين تأثروا بشعراء من بلدان عربية أخرى، مثل لبنان، وفلسطين، والعراق وسوريا. فالشابي مثلا تأثر بشعراء المهجر، خصوصا بجبران خليل جبران، وبالشعراء الغربيين الرومانسيين. وهناك شعراء أحياء يمكن أن نعثر في قصائدهم على صدى لقصائد لمحمود درويش، أو بدر شاكر السياب، أو عبدالوهاب البياتي، أو أنسي الحاج… لكن هذا الصدى لا يعني بأي حال من الأحوال التقليد الأعمى والمحاكاة العرجاء.

وفي مداخلته التي تطرق فيها إلى عناصر التشابه بين الشابي وشاعر جزائري من زمنه يدعى رمضان حمود، أشار المنصف الوهايبي إلى أن هذا الأخير ولد بمدينة غرداية بأقصى الجنوب الجزائري عام 1906. وعكس الشابي الذي كان يحب أن يقول إنه “يطير بجناح واحد” لعدم حذقه للغة الفرنسية، كان رمضان حمود عارفا بهذه اللغة. وفي سنوات المراهقة جاء إلى تونس لينتسب إلى جامع الزيتونة، شأنه في ذلك شأن العديد من الشبان الجزائريين الذين كانوا يرغبون في المحافظة على هويتهم العربية-الإسلامية. وفي تونس أسس رمضان حمود مع جمع من أصدقائه الجزائريين جمعية وطنية أدبية كانت لها جريدة حائطية. وفي هذه الجريدة نشر قصائده. وواحدة من هذه القصائد بدت شبيهة إلى حد بعيد بقصيدة الشابي الشهيرة “إرادة الحياة” رغم أنها كانت سابقة لها. وفي هذه القصيدة يقول:

نهوضا بني جلدتي إلام ونحن بطيّ الخبرْ

إلام وفي الأسر أرواحنا ونحيا هوانا حياة البقر.

ويشير المنصف الوهايبي إلى أنه ليس بإمكانه أن يؤكد أن الشابي قد يكون اطلع على قصيدة رمضان حمود أو لم يطلع عليها، لكنه وجد في قصيدته “إرادة الحياة” التي كتبها تحت تأثير فلاسفة ألمان أمثال شوبنهاور ونيتشه على صدى للقصيدة المذكورة.

ويضيف المنصف الوهايبي قائلا إن عناصر التشابه بين القصيدتين متوفرة، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الشابي كان مقلدا لقصيدة رمضان حمود، بل إنه كان أكثر شاعرية منه، وأشد عمقا من الناحية الفكرية والفلسفية.

وجانب الجامعي الصحبي العلاني موضوع الندوة ليتحدث عن تيارات نقدية حداثية ظهرت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، أفرغت النصوص الشعرية والنثرية من محتواها لتحولها إلى أرقام وبيانات، معتمدة شروحات يزعم أصحابها أنها علمية إلا أنها نزعت عن النصوص التي قامت بدراستها وتحليلها، فرادتها وعمقها وجماليتها. وفي ختام مداخلته أشار العلاني إلى أن الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب نحا في قصيدته الشهيرة “أنشودة المطر” منحى شعراء ما قبل الإسلام الذين كانوا يبدأون قصائدهم بالتغزل بالحبيبة الغائبة. ومعنى هذا أن تأثير الشعراء القدماء عليه كان له نفس حضور تأثير الشعراء الغربيين الحداثيين.

وتطرقت الجامعية فوزية الصفار إلى تأثير قصيدة الحصري القيرواني الشهيرة “يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده” على البعض من الشعراء العرب المعاصرين الذين قاموا بمعارضتها أمثال أحمد شوقي في قصيدته “مضناك جفاه مرقده”، والتونسي البشير خريف في “العهد هلم نجدده”.

وفي صبيحة اليوم الثاني، قدم صاحب هذه السطور مداخلة بعنوان “حضور القيروان في الأدب الغربي”، وفيها تحدث عن زيارة البعض من مشاهير الأدباء الغربيين إلى عاصمة الأغالبة. وقد زار هذه المدينة عام 1835 الأمير الألماني بوكلير موسكاو، ومن وحي زيارته تلك ألف كتابا وصف فيه القيروان.

وتحدث صاحب هذه السطور أيضا عن الزيارة التي أداها الكاتب الفرنسي غي دو مومباسن إلى القيروان عام 1890، وعما دونه الشاعر الألماني راينار ماريا ريلكه عن زيارته للقيروان عام 1910 وقد بدت له “مدينة كئيبة تحيط بها المقابر من كل النواحي”. كما استعرض صاحب هذه السطور فقرات من يوميات الفنان الكبير بول كلي الذي زار القيروان بصحبة صديقه الفنان أوغست ماكه عام 1914. وقد شكلت تلك الزيارة منعرجا هاما في مسيرتيهما، وفي تاريخ الفن التشكيلي.

وقد احتفى بيت الشعر بالقيروان بشعراء تونسيين من مختلف الأجيال، فإلى جانب تكريمه للشاعر نورالدين صمود، احتفى أيضا بفتيات دون سن العاشرة ألقين قصائد صغيرة بطريقة موحية جعلت الجمهور يصفق لهن طويلا. كما انتظمت صبيحة اليوم الثاني قراءات شعرية شارك فيها شعراء من الجيل الجديد.

15