"بيت الشعر" في الشارقة... التطور التكنولوجي لن يؤثر سلبا على الإبداع

الاثنين 2013/09/02
محمد البريكي: بيت الشعر لا ينحاز إلى جنس أدبي على حساب جنس آخر

تعتبر الإمارات العربية المتحدة بكل تنوعاتها البيئية والاجتماعية، بيئة جيدة لاحتضان الشعر العربي لأنواعه المتعددة. فإلى جانب الشعر الشعبي الذي يحمل في ملامح وموضوعاته أبرز قضايا ومعالم الهوية الإماراتية بما في ذلك اللهجة المحكية، تتواجد على الساحة الثقافية أطياف من كاتبي وناطقي الشعر العربي الفصيح سواء من الإماراتيين أم غيرهم من الجنسيات العربية.

في ظل التركيز الحكومي والشعبي على الكلمة الفصيحة في شعرنا العربي داخل الإمارات، تمّ إنشاء "بيت الشعر" في إمارة الشارقة عام 1997 بقرار من الشيخ سلطان القاسمي، ليضمّ كل اتجاهات الشعر وأجناسه الكلاسيكية والحداثية وينهل من تجارب كل الشعراء المبدعين بلا استثناء، الشيء الذي يمكنه من الوصول إلى كل شعوب العام وإيصال رسالة إنسانية سامية تحفظ قواعد الهوية العربية الأصيلة.

ويؤكّد الشاعر الإماراتي محمد البريكي، مسؤول "بيت الشعر" في الشارقة، أن هذا المشروع يسعى بدايةً إلى تأصيل دور الشعر والشعراء في الحركة الثقافية في المجتمع، والتفاعل مع الحياة الشعرية وطنيّا وعربيّا وإنسانيّا.

يقول محمد البريكي: "بيت الشعر في الشارقة ومنذ تأسيسه ساهم بشكل فاعل في إيصال الصوت الشعري الإماراتي إلى الخارج، ومد جسور التواصل مع الآخرين من خلال استضافة شعراء من الوطن العربي، كما فعل دوره في التواصل مع الشعر العالمي، وتفعيل دور الدراسات والترجمة وغيرها. وإننا سنسعى دائما إلى تقديم الأفضل في خدمة الشعر الإماراتي والعربي".

وأضاف: "بيت الشعر لا ينحاز إلى جنس أدبي على حساب جنس آخر، الإبداع هو الذي يفرض نفسه، وكثيرا ما قدمنا وسنظل نقدم الأشكال جميعا بشرط توافر عنصر الإبداع الشعري".

لقد أسس "بيت الشعر" ليستوعب كل من يرغب في الانضمام إلى الثقافة العربية والاطلاع عليها من خلال الشعر، لذا كان استيعاب الأعداد الكبيرة من الزوار والمشاركين من أولوية تصميم المكان، حيث تمّ تصميم أكثر من قاعة متعددة الأغراض والاستعمالات، مع وجود تخصصات لكل منها.

وذكر البريكي أن قاعة المكتبة والمطالعة فيه تحتوى على ما يقارب (15000) عنوان متخصص في تاريخ الشعر ودراسته ونقده ومراجعه ودواوينه، من الجاهلية إلى وقتنا الحاضر؛ فضلا عن ركن خاص بأعمال كبار الشعراء العالميين والشعر المترجم من العربية وإليها. إلى جانب قاعة البحوث المخصصة للبحث الأدبي والعلمي، قاعة مجلس الضيافة التي تضم نخبة من الشعراء للاستفادة من آرائهم وتوجيهاتهم في رفد الحركة الشعرية، وقاعة منتدى الثلاثاء المعدة خصيصا لاستقبال الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية والورش الثقافية.

على أرض الواقع، يتخذ المسؤولون عن "بيت الشعر" كل الإجراءات والوسائل الممكنة لدعم الحركة الشعرية التفاعلية داخل المجتمع الإماراتي وخارجه في دول المنطقة والوطن العربي. فقد نظم على مدى السنوات الماضية مهرجانات عدة للشعر العربي الفصيح وعددا من الندوات والمحاضرات ذات العلاقة الوطيدة بالشعر والنقد، واستضاف عددا من كبار الشعراء العرب والعالميين، فضلا عن تنظيم احتفال خاص بمناسبة اليوم العالمي للشعر في الحادي والعشرين من مارس من كل عام، ويوم اللغة العربية في 18 ديسمبر-كانون الأول، وغيرها من المناسبات الدينية والوطنية، بالإضافة إلى مهرجان الشارقة للشعر العربي، وفي الوقت نفسه يقيم أنشطة متنوعة في المنطقة الشرقية.

من جهةٍ أخرى توقّف البريكي أثناء حديثه عن الحركة الشعرية داخل البيئة الإماراتية، عن تواجد الشعر الشعبي "النبطي" الذي يجذب إليه شرائح متنوعة من المجتمع المحلي.

فقد أشار إلى المكانة الهامة والملموسة التي ينالها الشعر الفصيح بين المواطنين الإماراتيين والوافدين العرب. مشيرا إلى خلق جو من التنافس الفاعل المغذي للتنمية الثقافية في قوله: "ربما يكون الشعر الشعبي هو السائد والأكثر استخداماً في الفترة السابقة، لكن مع ظهور أسماء تعمل بجد على إظهار القصيدة الفصيحة بصورة مشرقة ومدهشة، فإن هذا سيخلق جوا تنافسيا رائعا يصب في خدمة الشعر بشقيه".

وأضاف: "في نهاية الأمر، تتحكم الكلمة الجيدة بكيفية التنافس باعتبارها هي القادرة على الوصول والانتشار، ذلك أن الشعر بشقيه الفصيح والشعبي يصبان في شط واحد، ويعتمدان في النجاح على قدرات من يستخدمهما".

وفي حين يسعى "بيت الشعر" من خلال برامجه ومشروعاته إلى التواصل مع شعراء كبار لهم وزنهم على الساحة الأدبية والاجتماعية، ينتبه دائما إلى المواهب الشعرية الصاعدة ويأخذ بيدهم للوصول إلى صيغة أدبية وثقافية وفنية تضعهم على الطريق الصحيح، الشيء الذي يسمح لهم بامتلاك القواعد والأصول الشعرية وكلٌ حسب النوع الذي ينجذب إليه.

وهنا أكد البريكي: "من أهم ما نسعى إليه هو رفد الساحة الشعرية بأسماء جديدة تواصل مسيرة الأجيال التي سبقتها، ونحن في بيت الشعر بالشارقة نبحث عن أسماء جديدة بوسائل مختلفة، ونتواصل مع بعض الجهات للمساعدة في الكشف عن المواهب الجديدة، بالإضافة إلى بعض البرامج مثل ورشة فن الشعر والعروض والمسابقات الخاصة بالشعر".

نهايةً، توجّه البريكي للحديث عن الواقع المعاصر الذي نعيشه والدور الذي يلعبه الأدب عموما والشعر على وجه الخصوص، في تحدياته وعلاقاته. فعلى الرغم من كل ما يحيط بنا من أساليب مختلطة من التكنولوجيا الرقمية بكل تعدداتها، يرى البريكي أن الإنسان لا يزال يحتفظ بالنزعة نحو قراءة الشعر والاهتمام به.

يقول الشاعر محمد البريكي: "لا أتوقع أن يؤثر هذا التطور التكنولوجي سلبا على الشعر، أو لنقل ربما يؤثر على البعض الذين لا يعون استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في خدمة الشعر، وسيبقى الشعر شامخا لأنه حنين العرب، وهو ديوانهم الذي يجتمعون عليه".

14