"بيت الطاعة".. بدعة قانونية تنافي الشريعة الإسلامية

الأربعاء 2013/10/09
المودة والرحمة والعشرة بمعروف أو تسريح بإحسان

القاهرة - أكدت العديد من التقارير أن المحاكم تنظر يوميا في عشرات القضايا، بخصوص أحكام الطاعة وتنفيذها، وقانونية البيت وشرعيته، ورفض الزوجات الأسلوب القهري للطاعة، وحول بيت الطاعة وأصل وجوده في الشريعة الإسلامية والقانون، التقينا عددا من الزوجات ممن تجرعن ويلات ذلك القانون، وعددا من علماء الدين والقانونيين، للوقوف على شرعية ما يسمى ببيت الطاعة.

تقول "رباب. ع" موظفة: تزوجت منذ خمس سنوات في شقة عائلتي؛ لأن زوجي في هذا الوقت لم تكن إمكانياته تسمح بتوفير شقة خاصة، وأنجبت خلال تلك الفترة ابنتين، وفي السنة الرابعة من الزواج توفي أبي وأصبحت أمي وحيدة، وبعد عدة أشهر بدأت ألاحظ توتر العلاقة بين زوجي ووالدتي، وانتهى الأمر بأن ترك المنزل واستقر فترة عند أخيه، ثم فوجئت به يبلغني بأنه حصل على عقد إيجار شقة من غرفتين فقط، وطلب مني أن أترك أمي والشقة الكبيرة، لكي أعيش معه أنا وبناتي في الشقة الصغيرة، التي لا تصلح لإقامة عائلة مكونة من أربعة أفراد فرفضت طلبه، فأسرع هو برفع دعوى طاعة بحجة أنني أرفض العيش معه، وبالفعل حكمت له المحكمة بالطاعة فلم يكن أمامي خيار سوى تنفيذ الحكم، فذهبت إليه وأنا مقهورة وبائسة.

أما "علي. ش" محاسب، فيقول: تزوجت منذ ست سنوات من ربة منزل أنجبنا خلالها طفلا وطفلة، وفجأة بدأت المشاحنات تدب بيننا، بسبب مصروف البيت، وذات يوم طلبت زوجتي مني الطلاق فرفضت بشدة، مما جعلها تذهب إلى والدتها غاضبة، فأسرعت إلى المحكمة ورفعت دعوى طاعة عليها، وبالفعل حكمت المحكمة لي بالطاعة وسوف أتركها معلقة دون طلاق.

ويقول الدكتور محمد شحاتة أستاذ الفقه المقارن بمعهد الدعوة والدراسات الإسلامية، فيما يتعلق بتقنين ما يسمى بـ"بيت الطاعة": لا وجود لبيت الطاعة في الإسلام، وهي فكرة مستمدة من القانون الروماني، والإسلام لم يأمر بالقهر إطلاقا، وإنما أمر الزوج والزوجة بالامتثال لأمر الله ورسوله في أمور الزواج، وحل المشكلات التي تظهر بينهما بالحسنى، أما بيت الطاعة المعمول به في القانون المصري، فهو منقول نصا عن القانون الروماني، وفقا للقانون المعروف "الحاكم القضائي"، في ظل ما يسمى بالزواج التوافقي، المعروف بالعرفي الآن، حيث لا توجد فيه حقوق وواجبات متبادلة بين الزوجين؛ لذا كان من حق المرأة العودة إلى بيت أبيها في حالة أي نزاع، وليس لزوجها أي سلطة عليها؛ لذلك ابتدع الحاكم القضائي دعوى قضائية، تمكن الزوج من استرداد زوجته من بيت ذويها بالقوة الجبرية، وكانت تسمى دعوى استرداد، وهي الدعوى التي نقلتها مجموعة نابليون، فيما أسماه "إدخال الزوجة منزل زوجها بالقوة الجبرية"، ونقلت من القانون الفرنسي إلى المحاكم الشرعية، في مصر حتى الآن.

ويؤكد الدكتور مازن السرساوي أستاذ الحديث بجامعة الأزهر، أن بيت الطاعة غير دستوري، ولا يوجد في الفقه بيت طاعة، صحيح أن المرأة يجب أن تطيع زوجها، ولكن أن يأخذها لتعيش في بيته قسرا، فهذا لا أصل له في الدين الإسلامي.. وتساءل: كيف تعيش مع زوجها تحت الضغط، والأصل في الزواج المودة والرحمة وحسن العشرة؟ لذا فإن الإبقاء تحت الضغط ليس من المودة ولا الرحمة ولا من الدين في شيء.

وتابع الدكتور السرساوي: إن بيت الطاعة نظمه القانون رقم 100 لسنة 1985، وحدد لإنذار الطاعة الموجه من الزوج للزوجة، إجراءات خاصة ومدة معينة؛ فلابد من تحديد مواصفات منزل الزوجية مستوفيا شروطه الشرعية، كما يحدد في الإنذار مناسبة لأقرانه في مثل حالته، وللزوجة أن تعترض على إنذار الطاعة خلال 30 يوما، فإذا لم تعترض ولم تنفذ تصبح ناشزا، فلا يصلح لها الحق في النفقة.

ويقول الدكتور أحمد خليل عضو هيئة كبار علماء الجمعية الشرعية بالقاهرة: إن الإيمان والصدق والتقوى هم روابط الصلة بينهما، فالصدق في القول يعبر عن الشخصية الواضحة والمروءة والشهامة والكرم، ولا يلجأ إلى الكذب إلا لئيم الطبع خبيث النفس ضعيف الشخصية، وكثيرا ما كان يأمر الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام بالصدق ويؤكد عليه، "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة ومازال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا"؛ لهذا فإن الصدق من أولى خصائص المؤمن، وهذا وثيق الصلة ببيت الطاعة، فنقول: كيف لا يصدق المؤمن نفسه ويعيش مع زوجة تبغضه؟ ومن باب أولى صدق النفس، لأنها درجة من درجات الإيمان.

ويضيف: ولكن رغم ذلك نجد أن البعض يفسر الشرع خطأ طمعا في الدنيا؛ فالإسلام أوجب على المرأة والرجل معا عدم الخروج من بيت الزوجية أثناء العدة مطلقا؛ سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا؛ والعلة من بقائهما في المسكن هو أن يراجع كل منهما الآخر في أمر الطلاق الرجعي فتتم المراجعة، أما ما يقال عن بيت الطاعة للزوجة، التي يريد أن يجبرها زوجها على أن تعيش معه وهي مكرهة، فهذا ينافي الأحوال العامة والقواعد الشرعية.

أما الدكتور طلعت عفيفي أستاذ الدعوة الإسلامية بجمعة الأزهر، فأوضح أن بيت الطاعة لا وجود له في الشريعة الإسلامية، ولا في الفقه الإسلامي، لكن هناك حقوقا للنساء وحقوقا للرجال، وإذا تجاوز الرجال الحقوق يجب أن يوقفوا، وإذا تجاوزت المرأة يجب أن توقف عند الحدود والواجبات، وبيت الطاعة هو القفص الذي يحاول الزوج أن يدخل فيه زوجته، أو بمعنى أوضح يحبسها داخله، لأنها لم تعد راغبة في عشرته، غالبا بسبب ظلمه البين لها، أو لأنها أصبحت كارهة له، فبدلا من أن يسرحها بإحسان يحاول الكيد لها.

ويحدث هذا والعلاقة الزوجية قائمة، أما إذا انتهت فإن ساحات المحاكم تكتظ بالنزاع بين الأزواج ويطول أمد النزاع، رغم أن الحل بسيط في إطار من المودة والرحمة والعشرة بمعروف أو تسريح بإحسان.

21