بيت القصيد والشعراء الذين غادروا

الأربعاء 2016/01/27

في سبعينات القرن العشرين خرج الشعراء السوريون بقضهم وقضيضهم على القصيدة الكلاسيكية، فدخل بعضهم السجن وهاجر آخرون، وقلة تأقلمت مع المؤسسة الثقافية التي صاغتها الدولة الشمولية.

في الثمانينات لم يكن ثمة مكان لشاعر، كان صوت خطابات الأب القائد يصمّ الآذان، وفي التسعينات خاض الشعراء حروبهم بسيوف من خشب، فتكسرت في الجولة الأولى مع مؤسسات السلطة وكتّابها المزمنين.

في العقد الأول من الألفية الثانية، كان الحدث الشعري الأبرز في سوريا ملتقى “بيت القصيد”، في قاعة ملهى ليلي يتناوب الشعراء على منصته كما يتناوب الفنانون حين يقدّمون عروضهم الشيقة.

كان “بيت القصيد” خروجا عن مألوف المؤسسة الثقافية وطريقتها السقيمة في قراءة الشعر وتقديم الشعراء، حيث تقاس المنجزات بالأرقام، وتحتسب النجاحات بتراكم الأعداد. كان ذلك أشبه برئة تنفست بها دمشق، ربما للمرة الأولى منذ عقود طويلة، نسيم الحرية النقي. ولذلك، لم يكن مستغربا أن يكون أغلب رواد “بيت القصيد” السورية في شهورها العشرة الزاهية. تشتت رواد “بيت القصيد” في مختلف أصقاع الأرض، ولكنهم حيث حلوا أعادوا من جديد تجربتهم الفريدة، فثمة بيوت للقصيد حيثما يوجد سوريون، حتى وإن اختلفت التسمية، فبيت القصيد يبقى هو “بيت القصيد”.

مأثرة هذه التجربة الفريدة أنها حولت القصيدة إلى فاصل ممتع، لا علاقة له بعقارب الساعة، كما أتاحت في فضائها الحر للمتلقي أن يعبر عن إعجابه أو امتعاضه بصوت عال، دون أن يثير ذلك حساسيات السلوك الرصين.

من قال إن الشعر غير قادر على التغيير؟

تجربة بيت القصيد أثبتت أن الحرية أثمن من أي قيمة أخرى، وأقوى من أيّ قالب، وأذكى من أي رقيب حسيب.

لقد سارع النظام إلى إغلاق المنتديات السياسية، خوفا من تحوّلها إلى بؤر للثورة ضدّه، مع أنه أغرقها بعسسه ومؤيديه، وأصحاب وجهة نظره القاصرة، ولكنه لم ينتبه إلى “بيت القصيد”، حيث الجذوة التي أشعلت الحقل الجاف مرة واحدة.

رواد “بيت القصيد” الآن بين قتيل وسجين وطريد، ولكنهم يعرفون أن ثمن الحرية باهظ جدا ويستحق كل هذا العناء.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14