بيت الكريتلية.. حكاية عشق ضابط بالجيش الإنكليزي للقاهرة

الثلاثاء 2015/04/28
أندرسون، الضابط بالجيش الإنكليزي، أعطى لبيت الكريتلية مكانة خاصة في القاهرة

بيت “الكريتلية” من بين البيوت الأثرية القاهرية القليلة الباقية، ويعطى مثالا على ما وصلت إليه العمارة الإسلامية من رقي وتألق فني خلال القرنين الـ16 والـ17، لتتداخل فيه القيم الجمالية في نمط مهم من أركان العمارة العربية المتمثل في عمارة المسكن والإعاشة، وخصوصا في العصرين المملوكي والعثماني.

تعاقبت أسر ثرية عديدة على السكن في ما يسمّى اليوم بـ”بيت الكريتلية”، إلى أن قطنته سيدة من جزيرة كريت الواقعة في تخوم البحر المتوسط القريبة من جزر إيطاليا، ممّا جعله يعرف منذ تلك الفترة بهذا الاسم، حتى أنه أضحى مسجلا به في مصلحة الآثار المصرية.

ويقع بيت الكريتلية في الجهة الشرقية لجامع أحمد ابن طولون، ويعد أحد بيتين من بيوت الأعيان يواجهان بعضهما ويعودان في إنشائهما إلى العصر العثماني نفسه، وقد تم الربط بين البيتين بقنطرة بممر خاص. ويعود بناء البيت الأول المعلم عبدالقادر الحداد إلى سنة 1540 ميلادية، وهو معروف باسم بيت آمنة بنت سالم ونسب إليها البيت حيث أنها آخر من امتلكته، ويذكر أنها من أسرة أصحاب المنزل الثاني.

أما البيت الثاني فقد بناه محمد بن الحاج سالك بن جلمام، أحد أعيان القاهرة سنة 1631، وتعاقبت الأسر الثرية على سكنه حتى سكنته سيدة من جزيرة كريت، فعرف منذ ذلك الحين ببيت الكريتلية.

أما عن سبب تسمية البيتين باسم متحف جاير أندورسون، فيعود الأمر إلى سنة 1935 حين تقدم الميجور جاير أندرسون الذي عمل ضابطا لدى الجيش الإنكليزي، بطلب للجنة الآثار العربية بأن يسكن في البيتين وأن يقوم بتأثيثهما على الطراز الإسلامي العربي، ويعرض فيهما مجموعة من مقتنياته الأثرية والتي ترجع إلى عصور فرعونية وإسلامية وحضارات أسيوية، على أن يصبح هذا الأثاث ومجموعته من الآثار ملكا للشعب المصري بعد وفاته أو حين يغادر مصر نهائيا، وهو طبعا ما وافقت عليه اللجنة. استقر أندرسون بمصر، وأحبها حبا شديدا، يقول في مذكراته، المحفوظة حاليا بمتحف فيكتوريا وألبرت بلندن، “مصر أحب الأراضي إلى قلبي لذلك لم أفارقها، لأني قضيت بها أسعد أيامي منذ مولدي”.

ولم يدخر أندرسون جهدا في إنفاق المال على شراء الأثاث والتحف من البيوت الأثرية ومن أسواق العاديات في مصر ومن دول آسيا وأوروبا. وما إن توفي حتى نفذت وصيّته، فآل البيتان وما فيهما إلى مصلحة الآثار العربية التي جعلت منهما متحفا باسم جاير أندرسون.

1631 تاريخ بناء البيت الذي تعاقبت عليه الأسر الثرية إلى حين سكنته سيدة من جزيرة كريت

ويعد البيت متحفا في حد ذاته، إذ نجد فيه ردهة واسعة، تنفتح على قاعة كبيرة خصصت كلتاهما لعرض مجموعة من مقتنيات أندرسون التي تعد من نفائس مجموعته، إضافة إلى تمثال للإله المصري “باستيت” على شكل قط أسود مصنّع من الحجر والمعدن، وهو الإله المعروف لدى الفراعنة بإله الشرّ.

وينقسم البيت إلى إيوانين كبيرين، يوجد الأول على يمين الداخل، ويتصدره عرش هائل كالعروش الملكية، صنع من الخشب المنقوش والمزخرف والمطعّم بالصدف والعاج، وتمتد على جانبيه مصاطب ودكك بحواشي ووسائد وثيرة مكسوّة بالدمستق والديباج لجلوس خاصة الأمير.

وتكمن القيمة الكبرى للبيت في ما يحويه من تحف نفيسة، ومن بينها قطع السلاح. وبقدر بدائية صنع كل قطعة تعلو قيمتها، باعتبارها قطعا فنية تراثية نادرة، فضلا عن الزخارف المنتشرة على جسم المسدس المعدني ومقبضه الخشبي.

وفي ركن آخر علقت مجموعة من السيوف مختلفة الأشكال والأطوال مزخرفة الأغماد بدورها. كما زخرف سقف القاعة بكتابات بخط الثلث لبعض الأبيات الشعرية والأقوال المأثورة، منها ما القول: “من يعشق ينبغي ألّا ينام”.

وصنع سقف القاعة من خشب نفيس طلي بلون بني داكن مصحوب بمجموعة زخارف هندسية، وتوزعت في القاعة مجموعة من الدواليب والخورستانات المزخرفة الواجهات وبها أوان وأباريق من الخزف والزجاج تعود إلى العصر العثماني.

ويحفل رواق الرسومات والتصوير بمجموعة نادرة من الصور والرسومات التي تعد كل واحدة منها تحفة ثمينة في ذاتها، ويغلب عليها الأسلوب الفارسي الإسلامي في الرسم والتلوين، فهي تصوّر بعض مشاهد الشاهنامة (كتاب الملوك) وتضم بالخصوص ملحمة شعرية نظمها الشاعر الفارسي الفردوسي خلال القرن الـ11 ميلادي.

كما تحوز أروقة البيت صور رحلات الصيد، وصور الاحتفالات وليالي الطرب، فضلا عن لوحات لمشاهد برية وأزهار وطيور متنوّعة. كما تغلب دقة الملامح وتأنق الملبس على رسوم الأشخاص، ممّا يبرز مهارة الرسامين في استخدام الألوان الزيتية.

ومع ذلك تفتقد هذه اللوحات لمعلومات بشأن رساميها ومضامينها، باستثناء وضوح انتمائها للمدارس الفنية في بلاد فارس دون تحديد مأتاها إن كانت قد جاءت من تبريز أم شيراز أم سمرقند.

وأكثر ما يميز لوحات بيت الكريتلية منظرها المسطح، فهي شأنها شأن المنمنمات الفارسية لا عمق ولا تعدد للأبعاد فيها. وتتسم الكثير من هذه اللوحات، بإظهار البلاط السلطاني وما يجسده من فخامة وعظمة للسلطان الفارسي. إضافات ولمسات معمارية عديدة أعطاها أندرسون للبيتين، دون أن يشوّه عمارتهما الإسلاميّة وما يعلو مساحاتهما من زخرف وتنميق.

ويمكن للزائر أن يندهش لجمال المشربيات المصنوعة من خشب الخرط الدقيق، حيث تطل على صحن الدار من كل طابق، وهو ما جعل بيت الكريتلية برمته تحفة معمارية تدفع زوّاره إلى عدم مغادرته.

20