بيت الكريدلية رحلة عشق جمعت الشرق بالغرب منذ 300 سنة

الجمعة 2014/05/09
إحدى غرف بيت الكريدلية الذي تحول إلى متحف يقدم صورة نادرة لأسلوب الحياة في عصور المماليك

القاهرة – يمثل بيت الكريدلية واحدا من أهم المنازل الأثرية في مصر، كما يعد تحفة فنية تراثية تحمل بين جنباتها روعة الفن المعماري العثماني في القرن العاشر الهجري، كما تعكس ملامح من جماليات الفن الأوروبي في تلك الفترة.

في حي السيدة زينب بالقاهرة مازال المعمرون من أهل الحي يتذكرون هذا المشهد العجيب الذي يرجع إلى أيام الحرب العالمية الثانية في مصر، طابور طويل من عربات “الكارو” التي تحمل الأمتعة القديمة لبائعي “الروبابيكيا” الذين يتجمعون من كل مكان في يوم معلوم ويقفون أمام بوابة أحد المنازل الأثرية القديمة بجوار جامع أحمد بن طولون العتيق.

ثم يستقبلهم رجل إنكليزي عجوز عليه هيبة ووقار، لكنه لا يأنف أن يفرغ محتويات “الكارو” في فناء المنزل ويظل ساعات يفتش بيديه وسط الخردة والمهملات التي يحملها بائعو “الروبابيكيا” بحثا عن شيء ثمين يلفت انتباهه ويرضي هواية جمع التحف الشرقية التي أفنى عمره من أجلها.

هذا الإنكليزي العجوز هو الدكتور جاير أندرسون (باشا)، ضابط الجيش الإنكليزي الذي تحول منزله الأثري بالسيدة زينب إلى أشهر وأجمل متاحف الفن الإسلامي في القاهرة.

مدخل بيت الكريدلية في حي السيدة زينب بالقاهرة

هذا المتحف الفريد حصلت عليه الحكومة المصرية بعد صفقة رابحة أبرمتها مع الدكتور الإنكليزي عاشق الآثار. فقد طلب جاير أندرسون في منتصف الثلاثينات أن تمنحه لجنة حفظ الآثار العربية بيتا أثريا قديما هو بيت الكريدلية (الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1631) ليقيم فيه مدة إقامته في مصر. وفي مقابل ذلك يتنازل للحكومة المصرية بعد رحيله عن مجموعة التحف والآثار التي يمتلكها والتي يزيد عددها قليلا عن 11 ألف قطعة، جمعها خلال مشوار عمله مع الجيش الإنكليزي طوال 40 عاما، كان خلالها دائم التنقل والترحال بين بلدان الشرق الأوسط والأدنى والأقصى.

وبعد رحيل جاير أندرسون في منتصف الأربعينات، تحول بيت الكريدلية الأثري القديم إلى متحف رائع يحمل اسمه ويقدم صورة نادرة لأسلوب الحياة وطريقة تأسيس المنازل في عصور المماليك والعثمانيين.

ويعتبر المنزل في حد ذاته تحفة معمارية رائعة، فهو يحمل السمات المعمارية للمنازل والبيوت العثمانية في القرن السابع عشر. ويتكون من بيتين متقابلين كل منهما مكون من 4 طوابق ويتصلان ببعضهما من أعلى عن طريق مجموعة من الغرف تكوّن ما يشبه الجسر بين البيتين. ويتمتع المنزل بعدد كبير من المشربيات الخشبية الجميلة التي تعطي للواجهة الخارجية طابعا مميزا.


قاعة المغاني


البيت من الداخل شديد الاتساع ويحتوي على عدة قاعات مختلفة تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي للعصر العثماني في مصر. وأجمل قاعاته قاعة الاحتفالات التي تتكون من طابقين، أحدهما أرضي مخصص للرجال والثاني علوي للحريم، وتفصل بين الطابقين مشربيات بديعة تطل على طابق الرجال حتى تستطيع الجواري والنساء متابعة ما يحدث في قاعة الاحتفالات دون أن يحدث أي اختلاط بينهن وبين الرجال.

صالة الاحتفالات نفسها تتكون من بهو واسع مقسم إلى ثلاثة أقسام، الجزء الأوسط منها تشغله فسقية بديعة كانت تخفف من حرارة الجو في طقس مصر الحار، وتضم قاعة الاحتفالات أو (المغاني) قطع أثاث تنطق أبهة وجمالا، حيث يتصدر القاعة كرسي عظيم من الخشب المطعم بالصدف والعاج، كان يجلس عليه صاحب الدار، وهو يستقبل ضيوفه، بينما توجد على الجانبين أرائك خشبية مطعمة بالصدف أيضا وموضوعة في فجوات خاصة داخل الجدران حتى لا تشغل مساحة من حيز القاعة أو تعطي انطباعا بالضيق أو التكدس.

وفي الجانب الآخر من البيت توجد قاعة الحريم، حيث كانت ربة الدار تستقبل ضيوفها من سيدات الطبقة الراقية في ذلك الوقت، وهي قاعة واسعة منقسمة إلى قسمين، تزين جدرانها مشربيات واسعة تلطف من درجة حرارة القاعة وتتيح لها تهوئة جيدة وإضاءة هادئة دون أن تجعل حريم الدار عرضة للعيون الفضولية من خارج المنزل.

دواليب حائطية مزينة بزخارف نباتية وضعت بها بعض الآنيات الزجاجية

قاعة الحريم تحتوي على أثاث فاخر يتكون من مناضد دائرية من النحاس (عبارة عن صينية واسعة مزخرفة وموضوعة فوق حامل) تحيط بها الوسائد المحشوة بالقطن وريش النعام والمخصصة لجلوس الحريم، والأرض مفروشة بأنواع مختلفة من الكليم والسجاد المصنوع في بلدة “كرداسة” بالجيزة، وعلى الأجناب توجد صناديق مختلفة الأحجام مزخرفة بالرسومات الملونة ومطعمة بالعاج والصدف. وهذه الصناديق كانت تستخدم لحفظ المتاع والأقمشة والأشياء الثمينة، وفي الجدران توجد دواليب مدفونة تتمتع أبوابها بقدر كبير من الجمال، حيث تتميز بزخارفها الملونة ذات الطراز “الصفوي” الذي كان شائعا في إيران في القرن السادس عشر.


لمسات أوروبية

في الطوابق العلوية من البيت توجد غرف النوم والمعيشة ومكتبة “جابر أندرسون” الخاصة والأثاث الحديث الذي جاء به من إنكلترا، وهو عبارة عن غرفة سفرة رائعة من الطراز الفيكتوري أهدتها له الملكة “آن” (ملكة إنكلترا) وغرفة استقبال فرنسية الطراز، وفي قاعة أخرى توجد بعض مقتنيات فرعونية، وحلي وأقنعة جنائزية حصل عليها أندرسون خلال رحلاته في الصحاري المصرية والوجه القبلي واحتفظ بها ضمن مقتنياته المـتنوعة.

أما غرف النوم الموجودة بالمنزل، فهي تحف فنية حقيقية، وخاصة غرفة النوم الدمشقية التي تشغل جناحا كاملا مستقلا عن باقي غرف النوم، وتتميز هذه الغرفة بالسرير الرقيق ذي الأعمدة الرفيعة التي كانت مخصصة لوضع “الناموسية” لحماية النائمين من لدغ الناموس، وتعتبر المقتنيات الفريدة لهذه الغرفة من أندر قطع الأثاث الكاملة الموجودة في مصر، وفي الجناح المقابل غرفة نوم “جاير” نفسه، وهي غرفة جمـيلة تحمل ملامح شرقية على الطراز الفارسي وتتميز بطغيان اللون الوردي الذي يــعكس فلسفته ونــظرته المـتفائلة إلى الحياة.

20