بيت النبيّ ابراهيم محجٌّ للمسيحيين، شوكة في حلق المتطرفين

الخميس 2014/06/12
مسيحيون من كل أنحاء العالم يزورون بيت النبي ابراهيم في كنف السلام والمحبة

الناصريّة (العراق) - لطالما شهد بيت النبيّ ابراهيم، في مدينة أور الأثريّة، في الناصريّة، تقاطر وفود المسيحيين العراقيين من كل أنحاء البلاد، والعالم، لحضور مراسيم إقامة القداس، وذلك بعد أن كشفت مديرية الآثار العراقية عن أديرة ومعابد شاخصة منذ آلاف السنين، لا زال قسم منها يحتفظ بنقوشه ومعالمه إلى اليوم.

هذه المعالم تشهد بأنّ العراق هو مهد المحبة والتسامح والتعايش منذ قديم الزمان، وهو كذلك مهبط الأديان السماوية السمحاء. العراق الذي طالما كانت تربته مقدّسة لجميع الأديان منذ العهود الغابرة، يحتضن مراسيم الصلاة بمشاركة أبناء الناصرية، الذين طالما فتحوا قلوبهم قبل أذرعهم لإخوتهم المسيحيين، وليس للعراقيين فحسب، بل لكلّ من يود القيام بالحج ويطمح لزيارة هذا البيت المقدس.

إنّ كلّ ذرة من تراب العراق تشهد بأن أرض ما بين النهرين، ومنذ عهد النبي ابراهيم، كانت مهدا للحب والحضارات. فقبل أن يتمكّن الغرب من أن يكتب حرفا أو أن ينشر علما، وعندما كان يتخبّط في الظلام، كانت مدارس الطب والقانون تفتح أبوابها في العراق.

وبالعودة إلى بيت النبي ابراهيم (ع)، فهو يُعتبر من المواقع الدينية المهمة المناهضة للتطرّف في جنوب العراق، لما له من دلالات مقدسة ارتبطت بالكتب السماوية المقدسة.

هذا الموقع الذي يتوسط مدينة أور الأثرية التي اكتشفتها بعثة المتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا برئاسة السير ليونارد وولي مابين (1922- 1936)، هو بيت مثّلث الشّكل، يحتوي على غرف صغيرة وقاعات وممرات وأقواس، وهو غير مسقف حاليا، وقد طرأ عليه تغيير كامل بعد قرار إعادة البناء الذي اتّخذه النظام السابق في نهاية عقد التسعينات من القرن الماضي، في محاولة للتمهيد لزيارة بابا الفاتيكان السابق التي أقرها في بداية الألفية الثالثة لزيارة أور، ومهّد لها سفير الفاتيكان الّذي زار قبر النبي ابراهيم، وعلى إثر ذلك ارتفعت أعداد الزائرين من جميع بلدان العالم المسيحي ومن ضمنهم وفد طائفة الأرثوذكس الذي زاد عن 300 شخصية.

لكن ورغم هذه الحضارة الضاربة في القدم، إلاّ أنّه من المؤسف أن نشهد هذه الأيّام غزوات ودمارا وإساءة إلى قدسية أرض الرّافدين، باسم التطرّف الذي تحرّكه غايات وأجندات سياسيّة.

هذا التطرّف الّذي يحاول النيل من اللّحمة الأزلية التي تجمع بين مكوّنات العراق لصالح الردّة الجديدة التي تتستر برداء الحفاظ على الدين الحنيف، والتي تتسلّل من خارج حدود العراق وتخترقه من أجل أن تمتهن الإنسان وتحطّ من كرامته الأصيلة وتحرق الزرع والنسل.

إنّ كل من يتصوّر، ولو كان تصوّره عابرا، بأنّ هذه التّربة ستسمح لجحافل “هولاكو” بأن تمزق بلاد النور وتعيدها إلى دياجير الظلام فهو واهم، لأنّ أرض العراق ترفض كلّ دخيل يطمح إلى تخريب نسيجها المجتمعيّ المتعايش الذي حافظ على شخوص ألوانه منذ فجر التاريخ، وسيحافظ عليها أبدا.

13