"بيت النهرين".. فيلم يخوض في حياة الصابئة المندائيين

فيلم "بيت النهرين" للمخرجة السورية مايا المنير يخوض في حياة الصابئة المندائيين، والصابئة هي أقدم وأول دين توحيدي عُرف على الأرض.
الثلاثاء 2018/04/10
طقوس وأخلاقيات متسامحة

ضمن عروض مهرجان مسقط السينمائي في دورته العاشرة المنتهية أخيرا، وضمن مسابقة “أصوات من العالم للأفلام الوثائقية الطويلة”، شارك فيلم “بيت النهرين” للمخرجة السورية مايا المنير، وهو الفيلم الأول للمخرجة التي سبق وأن تخصّصت في صناعة السينما بفرنسا، ويعتبر هذا العرض المشاركة الأولى للفيلم ضمن مهرجان سينمائي عربي، بعد عرضه الخاص في بيروت الذي أقامته الجهة المشاركة في الإنتاج “اتجاهات”.

 “بيت النهرين” للمخرجة السورية مايا المنير فيلم يخوض في حياة الصابئة المندائيين، والصابئة هي أقدم وأول دين توحيدي عُرف على الأرض، ويتبع النبي يحيى بن زكريا، وانتشر أتباع هذا الدين في كل من العراق وفلسطين، ولكن نتيجة لظروف الحرب التي خاضها العراق هاجر معظمهم أو لجأ إلى عدة بلدان، وبعض هؤلاء لجأوا إلى سوريا وباتت موطنا لهم، ووصل عددهم إلى الآلاف، لكنه نتيجة للظروف السياسية التي عاشتها وتعيشها سوريا بدأت هذه الطائفة بمغادرة البلد إلى كافة أصقاع الأرض عبر مساعدة مفوضية اللاجئين.

وكلمة صابئة مشتقة من “صبا” أو الغطس في الماء للتعميد الذي يعتبر أحد أهم الشعائر الدينية للمصطبغين بنور الحق والتوحيد والإيمان، واعتبروا نهري دجلة والفرات اللذين عبّر عنهما عنوان الفيلم “بيت النهرين”، من الأنهار المقدّسة التي تطهر الأرواح والأجساد فاصطبغوا فيها كي تنال نفوسهم النقاء الذي يغمر عالم النور “الجنة” الذي يسعون إليه، وهو المكان الذي كان نقطة البداية والانطلاق بالنسبة للمخرجة.

وبدأت فكرة الفيلم في 18 يوليو من العام 2012 ضمن أحد احتفالات تعميد الطائفة المندائية برأس السنة، حين أتيحت للمخرجة الفرصة لتصوير طقوس المصطبغين بنور الحق، ثم بعد سنوات وتحديدا في العام 2015 عادت المخرجة مرة أخرى لتلك الطائفة بعد أن شدّتها طقوسها وأخلاقياتها المتسامحة، ولكن الشيخ رعد الهاني الذي قابلته وصوّرته حين ذاك، مرض كما يمرض معظم شيوخ تلك الطائفة نتيجة طقوس الغطس بالماء بشكل متكرّر، فغادر سوريا مريضا.

والطائفة التي قاربت حينها 17 ألف نسمة في سوريا، بدأت بالانقراض، بعد أن قامت مفوضية اللاجئين بتوزيعهم، ولم يبق منهم إلاّ بعض المئات فكان من الصعوبة الوصول إليهم والعودة للعمل معهم. ورغم أن فيلم “بيت النهرين” ليس الفيلم الأول الذي اهتم بالصابئة المندائيين على الأقل في سوريا، فلقد سبق للمخرج السوري نبيل المالح أن قدّم فيلما وثائقيا عن طقوسهم، إلاّ أن فيلم “بيت النهرين” لم يشتغل كثيرا على الطقس الديني حين التقط شخصية وأسرة وعالم الشيخ سلام الزهيري، الذي كان بالصدفة ولحسن الحظ فنانا تشكيليا ورب أسرة ديمقراطي متّع عائلته بكل الحرية.

{بيت النهرين} فيلم يحكي عن طائفة الصابئة المندائيين الذين يعتبرون أن الحرب غير مقدسة والسلام هو فقط المقدس
"بيت النهرين" فيلم يحكي عن طائفة الصابئة المندائيين الذين يعتبرون أن الحرب غير مقدسة والسلام هو فقط المقدس 

وتخرج سلام الزهيري العراقي الجنسية الصابئي الطائفة من كلية الفنون وبدأ فعلا بتنفيذ أعمال فنية، وبعد أن تزوّج بسنوات قليلة، اضطر للهرب برفقة عائلته في العام 2004 إلى دمشق، وكان ينوي العودة بعد عام، لكن الظروف التي كان يمر بها العراق جعلته يبقى في دمشق حتى بعد اندلاع الأحداث في سوريا، حيث عاش في منطقة جرمانا، في حي شعبي إلى حد ما، ورغم أن سوريا وجرمانا على وجه الخصوص كانتا تعانيان من جراء القذائف، إلاّ أنه لم يقرّر مغادرتها إلاّ في العام 2018، كما تقول المخرجة، لأن الأمر لم يعد محتملا بالنسبة لسلامته وسلامة عائلته.

وصحيح أن الجانب الفني لدى هذا الرجل كان موضع اهتمام كبير من المخرجة وأحد الخطوط الدرامية التي نسجتها في فيلمها، والتي استطاعت فعليا وعبر أحداث الفيلم أن تعيده إلى حبه الأول، ألا وهو الفن، الذي كان تقريبا من المحرّمات بالنسبة إليه بعد أن تولى مشيخة الصابئة المندائيين في سوريا، إلاّ أنه كان فيلما عبّر والتقط لحظة مأساوية تمر بها إحدى أعرق الجماعات البشرية في العراق وما تتعرض له من الإقصاء والتهجير القصري.

وبدأ الفيلم بشكل اندماجي ما بين الطين الذي يتشكل ليرسم طقوس الصابئة وبين طقس ديني تعميدي، وتدريجيا أدخلتنا المخرجة إلى أجواء الصابئة وإلى دواخل تلك العائلة، حيث تم تقسيم الفيلم إلى مراحل حياة أصحاب الصابئة المندائيين بدءا من الولادة فالزواج فالموت، مرورا بمراحل التهجير القسري لتلك الطائفة التي ما زالت ترى أن الحرب غير مقدّسة والسلام هو فقط المقدّس. وقامت المخرجة بتقسيم الفيلم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، عبر السكندولا أو (السكين دولا) التي تستخدم في رحلة الحياة لدى الصابئة، وهي: الولادة، الزواج والموت، وأتت بمشاهد للحالات الثلاث، سواء بتصوير خاص أو عبر أرشيف استعانت به، وبشكل مواز تابعت حياة تلك العائلة في غربتها القسرية، مع استخدام البعض من الرسوم المتحركة لإغناء الثغرات الدرامية.

أما على صعيد الموسيقى التي ألفها خصيصا للفيلم الفنان السوري سمير كويفاتي، فكانت عنصرا مكملا للفيلم وأساسيا وجذابا، خاصة أن المؤلف كان أمينا حين عاد  إلى أصول تلك الموسيقى عند الصابئة الإيرانية، ووجد أن إيقاع الصبى كلحن هو الأقرب إليهم، مستعينا بالناي السومري الرافدي الأقرب إلى “الدودك” أو المزمار الأرمني، فأرسل النوتة لإعادة عزفها في أرمينا لتكون مناسبة جدا للفيلم.

16