"بيت النوخذة": اللؤلؤ الثقافي المنثور في البحرين

الأربعاء 2014/05/14
في بيت سلمان بن مطر

المحرق - وقفت أزميرالدا قباني، على مدخل بيت أبيض صغير، في جزيرة المحرق، وقالت بأنه “بيت النوخذة”، الذي يبدأ منه مسار مشروع طريق اللؤلؤ، الذي يستعيد ذاكرة بحرينية موغلة في القدم، ويقدم هذه الدولة الخليجية، من خلال التراث والثقافة.

تشغل قباني، وهي لبنانية تحمل الجنسية البحرينية، وتعتز بفلسطينيتها بالاختيار، منصب مديرة مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، الذي تأسس عام 2002، وعمد منذ ذلك التاريخ، على تأهيل عدة بيوت في المحرق، لتكون بيوتا ثقافية متخصصة، استضافت أكثر من 200 شخصية ثقافية من مختلف العالم، حاضرت باللغات العربية والأنكليزية والفرنسية.

وقد تبدو لفظة (النوخذة) غريبة، على مسمع مَن يعيش خارج البحرين، وهي تشير إلى سيد البحارة، وعنوان تجارة اللؤلؤ في المنطقة، “لؤلؤة مع أخرى تصنع عقدا ولن يحصد الدانات إلا أهل البحر”، تشير قباني إلى هذه العبارة التي خُطت في مدخل بيت النوخذة باعتزاز، والدانات هي حبات اللؤلؤ الكبيرة، والمهمة.

وقالت: “أعيد افتتاح بيت النوخذة هذا، أو المجلس، ليشهد على مهنة النوخذة، التي بلغت أوجها في عصر حصاد اللؤلؤ، للنوخذة في تجارة اللؤلؤ مسؤوليات متفرقة كاختيار طاقم السفينة، ومراقبة العمليات، وتسهيل الأمور المالية لأعضاء الطاقم، والمجلس هو مركز عمل النوخذة، الذي يستضيف فيه الغواصين، ويعود إلى عام 1920”.

أمضت قباني عشرين عاما في البحرين، وتعمل منذ ثماني سنوات في مشروع مركز الشيخ إبراهيم، على اسم أول من أسس ملتقى ثقافيا في المحرق، أواخر القرن التاسع عشر.

المركز أسسته الشيخة ميّ بنت محمد آل خليفة، وزيرة الثقافة البحرينية الحالية، ولكن قباني تحب أن تؤكد بإلحاح، على الفصل بين هذا المشروع، باعتباره أهليا وغير حكومي ولا علاقة له بمهام الشيخة ميّ الرسمية.

وفكرة المركز تتلخص في ترميم البيوت القديمة، ومراعاة النمط المعماري للحقب التي تعود إليها البيوت والتي يمنحها أصحابها للمركز، وكل بيت يحكي قصة صاحبه، مثلا بيت عبدالله بن زايد، مؤسس الصحافة في البحرين، والذي بُني قبل مئة عام، افتتح عام 2003، وخصص لتراث البحرين الصحفي. بيت محمد بن فارس، لفن الصوت، وصاحبه يعتبر رائدا في تطوير النغم الخليجي، وخاصة الفن المعروف بالصوت.

بيت الشعر، أقيم في بيت الشاعر إبراهيم العريضي، وهو في نفس الوقت مترجم لعمر الخيام، ويضم البيت مكتبة تحتوي على دواوين شعر من كل العالم. بيت الكورار، تأسس في عام 2007، من أجل الحفاظ على حرفة يدوية تكاد تندثر مارستها النساء في مدينة المحرق.

ومن أبرز هذه البيوت، هو الذي يعود إلى أشهر تاجر لؤلؤ في البحرين، ويطلق عليه أيضا “الطواش” وأبو الأرامل والأيتام سلمان بن مطر، تقول قباني: “لقد تم اختيار عمارة بن مطر للحفاظ على الذاكرة المرتبطة بالعمارة المتميزة لمدينة المحرق، والخصوصية التي لازمت هذا البيت منذ تأسيسه”.

تسترسل: “لقد أدى ترميم هذا البيت إلى عودة الحياة والذكريات لدى عائلة بن مطر، إلى جانب عودة الروح التي شاركت في بناء هذا النموذج الرائع من البناء التقليدي، بعد عملية الترميم التي روعي فيها الحفاظ على المعالم الخاصة وتسخير الجزء الإضافي للعروض الفنية، يروي قصة التاجر سلمان بن مطر وعائلته وعلاقتها بتجارة اللؤلؤ”.

وتعود ملحمة اللؤلؤ لتظهر في عمارة بوزيون، والتي كانت عبارة عن واجهة من دكاكين وفسحة بحرية تعالج فيها الأخشاب التي تصنع منها السفن.

وإذا كانت هذه البيوت التي أُعيد ترميمها واستخدامها، تعكس وجها إيجابيا لتراث المحرق، إلا أنها تؤشر أيضا إلى الجانب السلبي، الذي شمل هدم العديد من منازل المحرق التراثية، والتي ارتبطت بتاريخ هذه البقعة الساحرة في الوطن العربي، ولكنها لم تصمد أمام زحف أنماط استهلاكية.

تقول قباني، إن الشيخة ميّ رفعت شعار “الاستثمار في الثقافة” واستقطبت مستثمرين ومصارف، دعمت ترميم البيوت التي وصل عددها الآن إلى 17 بيتا، والتي تشهد كل عام موسما ثقافيا يبدأ من شهر أكتوبر حتى شهر مايو، حيث تستضيف كل يوم اثنين محاضرا.

في المحرق، لا تكشف البيوت، أسرارها بسهولة، مثل بيت النوخذة، بداية مشروع مسار اللؤلؤ، والذي يتجاوز المعالم، إلى فضاءات سردية، ثرية بالحكايات، وأساطير البر والبحر.

16