"بيت حُسن" يستعيد دوره الثقافي في قلب القاهرة

تستعيد بعض البيوت التراثية ألقها بعد ترميمها وصيانتها لتلعب دورا ثقافيا يلتقي فيه الماضي بالحاضر، لكن أغلب هذه البيوت تعاني الإهمال خاصة أن الجهات المسؤولة لا تتكفل بتمويل عملية الصيانة لكل البيوت والقصور القديمة، لذلك لجأ وريث بيت الحسن إلى تجديد البيت على نفقته ليصبح البيت منارة ثقافة كما كان في سابق عهده.
الثلاثاء 2015/12/01
البيت يخرج من دائرة النسيان إلى عالم الثقافة بحلة جميلة

القاهرة - “بيت حُسن” الذي يقع في منطقة الجمالية خلف مسجد الحُسين وشارع خان الخليلي، في قلب القاهرة، أحد البيوت القليلة التي حظيت بالاهتمام لإعادة الروح إليه مرة أخرى، عبر تحويله إلى منبر ثقافي يستفيد منه العشرات من المترددين عليه.

والفرق بين بيت حسن والبيوت الأخرى التي حظيت بنفس الفرصة، مثل بيوت الهراوي وزينب خاتون والسحيمي، أن الاهتمام به لم يكن من جانب الدولة ممثلة في وزارة الثقافة، بل من قبل أحد ورثة هذا البيت، هو المصور السينمائي ماهر أبودقيقة، الذي تفرغ لإدارة أنشطته الفنية والثقافية مع مجموعة من أصدقائه.

أهمية “بيت حُسن” لا تستمد فقط من كونه أثرا تاريخيا بني في القرن التاسع عشر ميلادي، فحسب بل لأن صاحبه هو الشيخ عبدالرحمن البحراوي الذي كان عالما بالأزهر الشريف، ثم مفتيا بوزارة الحقانية المصرية (وزارة الأوقاف الآن)، في الفترة بين عامي 1870 و1875 ميلادية، وأطلق على البيت اسم زوجته حُسن شاه هانم ابنة الشيخ الأزهري عمر المعاون.

وبزيارة بيت حُسن ستجد أمامك ذلك البهو الفسيح والذي وضعت فيه مقاعد أنيقة ومناضد بسيطة كمقهى للزوار والمترددين على الأنشطة الفنية والثقافية، ويستقبلك ماهر أبودقيقة بهدوئه المعهود ورصانته في الحديث محتفيا بالقادمين ومنتشيا بتحقيق حلمه بعدما تجاوز الـ60 من عمره.

روى ماهر لـ”العرب” قصة ترميم بيت جده لأمه، فقال “بدأت بتطوير وتجديد البيت في أكتوبر عام 2013 ومعي مجموعة من الأصدقاء الذين ساعدوني في تمويل الحلم، لأن أعمال الصيانة والترميم احتاجت مبالغ كبيرة، خصوصا أننا لجأنا إلى متخصصين في علم الآثار والفنون والمنازل التاريخية، حتى لا نضر عمارة البيت، ومن ثم يفقد أهميته التاريخية”.

وأضاف “تم الافتتاح في فبراير 2015 بعد الانتهاء من أعمال الترميم والصيانة وإخراجه في أروع صورة، وتضمن حفل الافتتاح معرضا فنيا شاركت فيه نخبة من أمهر الفنانين التشكيليين”.

المنزل كان بمثابة نزل يستقبل طلاب الأزهر الشريف الوافدين من محافظات وأقاليم بعيدة عن القاهرة للدراسة، وكان صاحب البيت يوفر لهم الإقامة والمأكل والمشرب والعلم دون أي أجر

وتابع أبودقيقة قائلا “عملت سنوات طويلة كمصور سينمائي وتحديدا منذ تخرجي في معهد السينما عام 1977 من شعبة التصوير الضوئي والتليفزيوني، وكنت كلما مررت ببيت جدي، أجده مغلقا فكنت أشعر بالحزن والأسى، لعجزي عن فعل أي شيء لحمايته، حيث كان تابعا لوزارة الآثار. لكنني استطعت من خلال حُجة البيت (مستند) أن أثبت أن جدي عبدالرحمن البحراوي أوقفه لزوجته وابنته وأحفاده، فتمكنا من استرجاعه”.

وتأسس البيت عام 1885 ميلادية، بحسب ما ترجّحه المصادر التاريخية، وهو عبارة عن تحفة معمارية تمزج بين الحضارتين الشرقية والأوروبية، الأمر الذي عكسته النقوش المنتشرة على النوافذ والأبواب والعمدان.

المنزل كان بمثابة “نُزل” يستقبل طلاب الأزهر الشريف الوافدين من محافظات وأقاليم بعيدة عن القاهرة للدراسة، وكان صاحب البيت يوفر لهم الإقامة والمأكل والمشرب والعلم دون أي أجر.

ومن أشهر رواده الإمام محمد عبده أشهر دعاة الإصلاح والتجديد في القرن التاسع عشر، والذي كان وافدا من محافظة البحيرة في دلتا مصر.

وفى أربعينات القرن الماضي قامت وزارة التربية والتعليم باستئجار المنزل وتحويله إلى مدرسة ابتدائية، استمرت في نشاطها حتى التسعينات ثم أغلقت أبوابها، عقب الزلزال العنيف الذي تعرضت له القاهرة عام 1992، حيث أثّر على البيت فتدهورت حالته وسقطت أجزاء منه.

وأشار أبودقيقة لـ”العرب” بأنه أعاد إلى البيت دوره التنويري ليخدم سكان الحي الذي يوجد به وكذلك الأحياء المجاورة ويقدم مجموعة من الخدمات المتنوعة، فإلى جانب الحفلات والمعارض الفنية، هناك ورش تدريبية على الأعمال الحرفية واليدوية، مثل صناعة النحاس والفخار والخشب والجلود.

وفي محاولة لإحياء هذا التراث الذي اقترب من الانقراض، وقع إعطاء الفرصة إلى المتدربين لعرض أعمالهم الفنية من خلال معارض وإتاحة فرصة التسويق أمامهم.

وأكد ماهر أن بيت حسن كان ملهما للأديب العالمي نجيب محفوظ في الكثير من الروايات الرائعة التي قام بتأليفها، كونه من مواليد الجمالية التي يقع في نطاقها البيت، مشيرا إلى أنه تعقد فيه الآن الكثير من الندوات التثقيفية، وتتم استضافة أدباء مشاهير فيها لإحياء الدور التنويري للدار.

20