بيت رامبرانت لا يزال هناك من ينتظر عودة الرسام الذي غادر فجرا

الأحد 2017/08/13
بيت رامبرانت في حضرة الغائب عن منزله

لندن - صباح هولندي. كأن رامبرانت لم يغادر بيته في "يودن بري سترات" بأمستردام وكان لا يزال شابا. المقهى الملاصق لبيته صار يحمل اسمه. لم يكن قد رسم بعد رائعته “الحارس الليلي”. نحن في القرن السابع عشر. يبتسم خيالي. "ألا تصدق؟" ليل أمستردام يملأ قوارب الصيادين سمكا وعيني أعشابا يفوح عطرها من كوب الشاي الصباحي وأنا أجلس في مقهى رامبرانت.

لا يرسم بفرشاة

لقد حلمته وحلمني، وصرنا نتبادل الأحلام كالسجناء. حين رأيت صورته شابا في متحف ريكس وسط العاصمة الهولندية ظننت أن الرسم قد انتهى. ليست صورة. ليست أيقونة.

المسيح نفسه سيشعر بالاضطراب لو رآها. أتوقع من شاعر مثل أرتور رامبو أن يعيد كتابة أشعاره في اللحظة التي تقع عيناه على ذلك اللغز. بحجم الكف هي. "ولكنه رامبرانت" أقول لنفسي. غيّرَ الرجل الرسم وغيّرَ نفسه وسخر من عاصفته. اعترف لي نديم كوفي وهو رسام عراقي يقيم في هولندا أنه يتألم إذ ينظر إلى تلك الرائعة. قال لي حسن حداد "لا أصدق أنه يرسم بفرشاة". يقصد رامبرانت. سأضع قدمي على المركب السكران، في استعارة من قصيدة رامبو الشهيرة.

بيت رامبرانت ينطوي على حامل لوحاته، حيث لوحة لا تزال بيضاء. لوحة لم يرسمها، تركها صامتة تنظر إلينا كما لو أنها تحاول أن تستفز خيالنا.

بيته يوم كان شابا أمامي وكنت أفكر بالخطوة الأولى التي سألقيها. هناك كتابات قليلة وصغيرة الحجم تشير إلى المكان باعتباره متحفا، بالرغم من أن هناك ما يؤكد أننا في حضرة منزل رامبرانت. ولأن مفهوم المتحف يكون ثقيلا حين يقاس بفكرة البيت، فقد فضلت أن أجلس على المدرجات التي تواجه ذلك البيت وأتأمله قبل الدخول إليه.

ليس كمثله رسام

سحرني عبقري عصر الباروك رامبرانت (1606-1669) في كل المرات التي رأيت فيها رسومه. كان رساماً ليس كمثله رسام. عبقري مهنته، المتمكن الذي لا يُجارى. هناك شيء فيه لا يمكن أن يتكرر. من الصعب أن يسمى ذلك الشيء. إنه رامبرانت لذاته. الكائن القادم من عصر الإغريق ليصافح الإسباني بيكاسو. سأصدق حدسي هذه المرة. ما من رسام ينافس رامبرانت مثل بيكاسو. الاثنان غيّرا الرسم، غير أنهما احتفظا بالكثير من أسرار ما فعلاه لنفسيهما.

قالت لي امرأة سبق لي أن رأيتها في الحانة الأيرلندية وقد رأتني جالسا على المدرجات التي تقابل المنزل “المدخل من هناك” لم أخبرها أنني كنت أفكر بقدمي رامبرانت. باب البيت مغلق. ربما كان الرسام لا يزال نائما. أحاول أن أرتجل مشهده في الليلة الماضية وقد عاد مهموما بفكرة يضيق بها الرسم الذي يعرفه.

أسوأ ما يمكن أن يفعله المرء أن يكون سائحا. كنت أخشى أن ينظر إليّ رامبرانت بعتب وهو يراني أتفحص أثاث منزله كما لو كنت واحدا من دائنيه. “حتى أنت” أسمعه يقول لي.

لا يزال الصباح هولنديا. هناك قناتان مائيتان. واحدة بالطول وأخرى بالعرض. رأيت جسرا يُسهّل عليّ محاولة الهروب إلى مركز المدينة. خُيّل إليّ أني رأيت رامبرانت قادما. بالملابس نفسها التي يرتديها تمثاله الذي يقف شامخا في الساحة التي تحمل اسمه. أمستردام تريده شابا أبديا. لم ينظر إليّ فتبعته. لم يتجه إلى باب منزله، بل اندسّ بين صفوف الزوار في المكتب السياحي كما لو أنه كان يرغب في شراء بطاقة دخول إلى منزله. قلت لنفسي لأمضي وراءه. غير أنه كان قد اختفى حين سلمتني الموظفة بطاقة الدخول.

رسام ينجو بالرسم من رعاته الرسميين

متمهلا ارتقيت السلم الخشبي. لن يكون هناك أحد في انتظاري فوق. الرجل الذي يشبهه، ربما يكون سائحا متلهفا لمعرفة ما الذي كان يحدث في القرن السابع عشر. كنا في حفلة تنكرية.

السياحة حين تكذب

“عليك أن تتخيل عصر رامبرانت” يقول الكتيّب السياحي الذي يوزع مجانا على الزائرين. كما لو أن الرسام نفسه كان ذريعة ليس إلا. “حين ترك رامبرانت مضطرا هذا المنزل بسبب عجزه عن تسديد مبلغه، بيع أثاث المنزل عن طريق المزاد” يقول الدليل.

ذلك يعني أن كلّ ما سأراه لن يكون أصيلا. إنهم يؤلفون كتابا ليشيّدوا متحفا زائفا. الفكرة كلها تقع في أن رامبرانت عاش هنا. تنفس الهواء الذي مر بين نوافذ هذا المنزل. استعادة رامبرانت باعتباره رجل حياة هي الفكرة الملهمة. هناك شيء ما كان قد وقع بين جدران هذا المنزل غيّرَ طريقتنا في النظر إلى العالم. هناك ماكنة للحفر الطباعي وكان رامبرانت هو سيد ذلك الفن، ولكن الماكنة الصامتة لا تقول شيئا. كانت هولندا يومها أسيرة طباعها الاستعمارية، وكان عليها أن ترتجل الصور التي تكرّر معجزتها.

لم يكن رامبرانت هولنديا طائرا. لذلك توقّعت رؤيته في المنزل الذي يشير إليه شابا. غير أنه كان بطريقة أو بأخرى نوعا من ذلك الطائر، في الرسم على الأقل. كان يضرب ضربته ويحلّق. أمن أجل ذلك كنا نتألم، كما اعترف لي نديم كوفي، وكما أسرّني حسن حداد.

لم تكن هناك فرشاة. كان رامبرانت يرسم بعين خياله إذن. أصدّق كل ذلك.

على حامل لوحاته هناك لوحة لا تزال بيضاء. لوحة لم يرسمها، تركها صامتة تنظر إلينا كما لو أنها تحاول أن تستفز خيالنا. “ارسمها كما لو أنك تستعير يدي” يقول بإشفاق. قريبا من ذلك الحامل كان كرسيه فارغا فيما كانت باليتة أصباغه جاهزة للاستعمال. هذه اللقطة المقترحة وحدها تكفي لا للتذكير برامبرانت بل لاستحضار عصره، منتصف القرن السابع عشر. بالنسبة إليّ فإن أثاث المنزل كله، الذي يعود إلى تلك اللحظة العصيبة من حياة رامبرانت لم يكن ليوحي بحياة عاشها الرسام الهولندي وهو يسعى إلى إعادة صياغة الزمن باعتباره فضاء مطلقا لا مجرد بعد رابع.

أثاث المنزل كله، الذي يعود إلى تلك اللحظة العصيبة من حياة رامبرانت لم يكن ليوحي بحياة عاشها الرسام الهولندي وهو يسعى إلى إعادة صياغة الزمن باعتباره فضاء مطلقا لا مجرد بعد رابع.

أنظر من نافذة مرسمه كما لو أنني أحاول أن أستحضر جزءا من عاداته اليومية. في الخارج لم يكن هناك شيء من عصر رامبرانت. كل شيء قد تغير. حتى الجسر الخشبي الصغير الذي مرت من تحته الكثير من المياه كان قد تغير. ملايين الخطوات المسرعة محت شيئا من قشرته وتركت عليه عاطفتها المبهمة معجونة بالغبار. التفت إلى اللوحة البيضاء وأنا أدرك أنها ستبقى كذلك ما دام ذلك البيت قائما. ما من أحد، حتى لو كان رساما يجرؤ على أن يمد يده إلى الحيز الممتلئ برائحة يده. يد الرسام الذي قرر في لحظة نقاء أن ينجو بالرسم من رعاته الرسميين، ليذهب به إلى العزلة.

السطر الذي لم يكتبه

في ذلك الصباح الهولندي من عام 1656 كان رامبرانت قد غادر منزله هذا متخفيا، تاركا كل شيء وراءه: سريره وخزانة ثيابه وماكنة الطباعة وتجاربه في الرسم على الزنك وأصباغه وكرسيه والصور الطباعية التي كان قد أنجزها. كل هذا يمكنه أن يكون متوقعا، ولكن تلك اللوحة الصغيرة البيضاء الموضوعة على الحامل الخشبي كانت بالنسبة إليّ واحدة من أهم علامات فقر خيال مؤلفي حكاية ذلك المنزل.

السياحة تغلب. كانت تلك اللوحة بمثابة إشهار لعاطفة شعبية تريد أن تضع نقطة في نهاية السطر الذي توقف رامبرانت عن كتابته، بعد أن عجز عن سداد أقساط منزله وهرب منه متخفيا. خسر المنزل صاحبه، غير أن التاريخ ربح رساما عظيما.

بعد كل هزيمة من هزائمه كان رامبرانت يؤكد قوة تشبثه بالرسم وإخلاصه له. وهكذا فإن رامبرانت الذي ترك أمستردام مهزوما كان أقوى وحين تخلّى عنه رعاة فنه من الأمراء والنبلاء في نهاية حياته صار فنه أقوى.

“إنه رامبرانت ولا أحد سواه” صرت أردّد في نفسي وأنا أهبط السلم متجها إلى أمستردام التي لم تتعرف على رسامها يوم غادرها ذات صباح تاركا في خيالها أثرا من أمانة بيعت في المزاد في ما بعد.

10