"بيت عز" درامي

الخميس 2016/08/11

في ظاهرة غير مسبوقة في المسلسلات المصرية عرض في رمضان الماضي مسلسل عائلي الانتماء من الألف إلى الياء، ونعني هنا مسلسل “نيللي وشريهان”، الذي تشاركت فيه عائلة غانم بكل أفرادها، حيث آلت البطولة إلى الشقيقتين دنيا وإيمي سمير غانم، فضلا عن مشاركة والديهما سمير غانم ودلال عبدالعزيز، الأمر الذي جعل أحد أصدقائي المُتحذلقين يعلّق على الأمر في جلسة نميمة فنيّة، قائلا “تمنيّت لو كنت من عائلة غانم ولو بالنسب، كي أغنم ممّا غنموا من كسب حلال في شهر الدلال سمير غانم وعيالهما”.

إشارة صديقي المرحة أحالتني إلى طرح سؤال بديهيّ: هل يستقيم هذا التوريث للفن والموهبة والشُهرة مع أقراننا من فناني الغرب؟

صحيح أنّ عالم الأضواء في الغرب يعجّ بالأسماء العائليّة، لعلّ أبرزها الأخوين أغوست ولوي لوميار مخترعي السينما، والمخرجين الأخوين غويل ديفيد وإيثان جيسي كوين الملقبين بـ”المخرج ذي الرأسين”، على اعتبار أنهما يتشاركان في الرؤية الإخراجية نفسها، وهو ما ينسحب أيضا على الأخوين جان بيير ولوك داردين اللذين فازا بالسعفة الذهبية مرتين، علاوة على الفريق الموسيقي العالمي “الإخوة جاكسون” وغيرهم.

وهؤلاء جميعا كانت لهم رؤاهم الفنيّة الخالصة التي جعلت من إبداعاتهم علامة فارقة في تاريخ الثقافة العالميّة، وهذا هو مربط الفرس وعدم تكافؤ الفرص بيننا وبينهم، وللأسف.

فالفرق بين الجبهتين، يتلخّص في ما قاله لي ذات حوار صحافي جمعني بأيقونة الفن اللاتيني خوليو إغلسياس، حين أحيا حفلا تاريخيا بمهرجان قرطاج الدولي الـ37 في العام 2001، حيث سألته عن رأيه في فنّ نجله إنريكيه، ومدى إسهام اسمه الكبير في نحت مسيرة الفنان الصغير أيامها؟ فقال في جُملتين قصيرتين، لكنّهما جدّ مُعبّرتين “هو في طريق وأنا في طريق، والفن لا يُورّث، فإما أن تكون فنّانا وإما أن لا تكون”.

في عالمنا العربيّ، الأمر مُختلف، فمقولة “هذا الشبل من ذاك الأسد”، أو “من شابه أباه فما ظلم” لا تستقيم دائما، فمع كثرة الأسماء العائليّة الفنيّة في جلّ البلدان العربية المشرقية منها والمغاربية، بل وحتّى الخليجية، إلاّ أن التوريث الفنّي لم يُفرز أسماء ذات بال إلاّ لماما، رغم تطوّر الظاهرة لتصبح الأعمال الفنية مكانا عائليا يجمع معظم أفراد العائلة من التمثيل إلى الإنتاج والإخراج وكتابة السيناريو وحتى الأعمال التقنية، والأخطر طبعا الإدارة الفنيّة لـ”زوج الست” النجمة السينمائيّة أو الغنائيّة الشهيرة، ولنا في ذلك أكثر من قضايا مرفوعة من الفنانة ضدّ بعلها الذي تحوّل سُلطويّا إلى مدير لأعمالها، والحال أنّه تحوّل إلى “مُخرّب لأفعالها ومُبدّد لأموالها” دون رادع ولا حسيب.

وهذه الحال تُحيلنا رأسا إلى حالة لا نجدها إلاّ لدى فنانينا العرب، حيث لا يستقيم مُطرب عربيّ ولا يملك العلامة الكاملة للطرب والتطريب، إلاّ إذا كان سجلّه الفني مُكوّنا من ثُلاثي غنائي لا محيد عنه: أغنية دينية وأخرى وطنية وثالثة عائليّة تتغنّى إما بالأم وإما بالأب وإما بالأبناء، فكم من فنان غربيّ جمع الثلاث أثافي الأخيرة، يا تُرى؟ لكم أن تخمّنوا، لكن الأكيد، أن الإجابة ستأتيكم بعد تفكير غير مُضن: لا أحد.

فهذه الثيمات الثلاث لا تتوفّر، إلاّ عند أهل الطرب من العرب، وإلاّ عُدّ سجله الغنائي منقوصا، وذلك أسوة بالمثل العربي القائل “ثلاث ليس لهم وجود: الغول والعنقاء والخل الودود”، وعليه فلا وجود لطرب عربيّ حقيقيّ دون التغني بالمدائح الثلاثة!

ومن هنا نفهم لم يصرّ الأبناء من بني الفن العربيّ على إدراج أسماء آبائهم في أعمالهم الفنية، وذلك لثلاث أيضا، إما ارتضاء مرضات الله، وما رضاء الله إلاّ برضاء الوالدين، وإما تكريما للوالدين، وإما كنوع من الاستثمار المُمنهج لنجاحاتهم الغابرة، وهو ما حصل مع مسلسل “نيللي وشريهان” الذي لم يحظ بنسب متابعة عالية، رغم إجماع النقّاد على كونه كان الحصان الأسود للكوميديا في رمضان المُنقضي، و”بيت العزّ يا بتنا”.

صحافي من تونس

16