"بيت على قوس قزح" قدر السوريين الرحيل إلى المجهول

ستظل لعنة النزوح تطارد السوريين طالما أنهم خارج بلادهم، منفيين ومعذبين ومشردين ومقهورين. ومهما حاولنا أن نضيء على معاناتهم ستبقى الإضاءة قاصرة ومحدودة، إذ لا يمكن لأحد أن يشعر بهم، إلاّ هم أنفسهم أو من مثلهم. وهو ما أدركه الفيلم الوثائقي القصير “بيت على قوس قزح” لرامي النيحاوي ولينا العبد ونديم دعيبس الذي يصوّر في دقائقه القليلة جدا رحلة اللجوء السورية المستمرة.
الجمعة 2015/06/12
خيام تفكك لتنصب من جديد في مكان غير معلوم

يحكي الفيلم القصير “بيت على قوس قزح” لرامي النيحاوي ولينا العبد ونديم دعيبس الذي أنتجته “بدايات” الرائدة في دعم الشباب السوري والفلسطيني سينمائيا، عن حياة بعض النازحين الذين اضطرتهم الأقدار إلى المكوث في مخيم المرج في سهل البقاع بلبنان.

فاليوم وبعد مضي ثلاث سنوات على عملية النزوح، يواجهون قرارا عاجلا يفضي إلى إخلاء المخيم وتفكيك الخيام والرحيل. إذ أن المكان قريب من نقطة عسكرية لم يعد مسموح لهم بالاقتراب منها. وفي المقابل لم يقدم لهم أحد البديل، فضلا عن أنهم مضطرين للإخلاء خلال خمسة أيام فقط لا غير. اللقطة الأولى من الفيلم تخدعنا، فهي تصور بلقطة فوتوغرافية ثابتة، منزلا بمنتهى الأناقة والجمال وكأنه موجود في إحدى الدول الأوروبية، لتذهب الكاميرا بعدها مباشرة وبحركة سريعة إلى خيمة مهترئة وقد سُدّت ثقوبها بقطع خشبية أو قماشية ربما، ثم تتسع الحدقة لتجد نفسك بين مجموعة من الخيام المصطفة والملوثة بالوحل، مصطفة بطريقة عشوائية وسط مكان عشوائي للغاية، يتجول بينها عدة أشخاص تظهر المعاناة جلية في تصرفاتهم وعلى وجوههم.

ولو أن عملية فك وهدم الخيام هذه كانت لأجل العودة إلى وطن رحلوا عنه خوفا من اضطهاد وموت، لكانت الابتسامات سترتسم على الشفاه. لكنهم يهدمونها ليعيدوا نصبها في مكان آخر مجهول تماما حتى اللحظة، فالمصير أسود كما الحاضر القائم تماما. وأما السؤال الموجه من صناع الفيلم لساكني الخيام وهو “لقيتو مكان تاني، لوين بدكن تروحوا؟”، فتأتي الإجابة عنه غالبا: “والله ما بعرف”.

لا طلبات عند أهل المخيم الذين يئسوا من أية مساعدات أو من وجود المنقذ، سوى المهلة، أحدهم يقول “على الأقل شهر”، فما الذي سيفعلونه في غضون خمسة أيام لا أكثر؟ هل سيجدون وطنا بديلا؟ أم أنها مدة كافية لانتهاء الحرب والعودة إلى ديارهم؟

كل الأمتعة والأغراض تكدس في شاحنات لا تعلم وجهتها وإلى أين ستتجه في طريقها بعد خروجها من مخيم المرج. وتزيد الأمطار المتهاطلة من مأساة الحدث. وكأن هذا الفراش يحتاج إلى مزيد من العبث والإفساد والاهتراء. وهكذا ومثل بدايته، تأتي نهاية الفيلم لتوثّق لحظات الإخلاء، وتبقينا نحن الجالسين على قيد الانتظار وعلى قيد الأمل، فأي قرار أو تحرك ينهي هذه المهزلة؟

وحدهم الأطفال في هذه المشاهد كانوا خارج المأساة، على الرغم من أنها تطالهم جيدا؛ يلعبون خارج الخيام وتحت المطر غير آبهين بالكارثة الحاصلة، ابتساماتهم وضحكاتهم أقوى من أيّ أمر آخر مهما كان صعبا وكارثيا، إنهم يمنحون لأهلهم الأمل، ويجعلون المهمة أصعب في الوقت نفسه، إذ تصبح المسؤولية بوجودهم أكبر من دون شك.

16