بيروت الفصامية: في معنى اجتراع الموت والحياة في كأس واحدة

الفنانون اللبنانيون اختاروا عن قصد أو عن غير قصد اختراع  فن "خلاصي" موشوم برماد الواقع كجورج مرعي وشوقي شمعون.
الجمعة 2019/06/28
بيروت التناقضات: جمال وجفاء

معظم الذين ولدوا في بيروت وعاشوا معظم حياتهم فيها ثم اضطروا إلى الانتقال للعيش بضع كيلوميترات خارجها سيعثرون عليها وقد دمغت روحهم بخصائصها العاصفة بشتى التناقضات، ربما لأجل ذلك لا يستطيع هؤلاء الغياب عن بيروت لأكثر من يوم واحد إلاّ بداعي السفر دون العودة إليها و”التلطخ” باضطرابها الذي تمكن بها وبهم خلال السنوات العشر الأخيرة.

قد أكون من هؤلاء الناس الكثر، غالبا ما أقف على الشرفة المطلة على بيروت وشاطئها الملغوم بشتى الأماني الفضية التي تجاهد ضد الاختناق والأحقاد المُغبرة على السواء، وكم يحلوا لهؤلاء، وربما أنا بينهم، استخدام تعابير واهية كتعبير “الأحقاد المُغبّرة” بدل استخدام أوصاف مباشرة كالفساد والتلوث البيئي، لاسيما أمام الأجانب.

قد يقول الكثيرون إن كل المدن العصرية هي مدن تعج بالتناقضات، ولكن ليس بنوعية التناقضات التي تعيشها وتفرزها مدينة بيروت، فعلى سبيل المثال صدر قانون جديد يجرّم كل من يرمي بنفاياته من خارج سيارته، وفي نفس الوقت تمتد جبال من القمامة غير المُعالجة في مناطق كثيرة لتنبعث منها روائح مقززة وسامة.

روائح هي أيضا تعيش تناقضا من ضمن تناقض آخر، فقد اعتاد المواطنون على تلك الروائح وهم في الآن ذاته يتعطرون بأطيب العطور وأغلاها ثمنا وهم في وسط احتجاجهم على التلوث البيئي.

وهذا مثال ثان: يمنع التدخين في الأماكن المغلقة، لأنها “ضارة بالصحة العامة” وتنتشر محارق النفايات المفتوحة في الشوارع التي “ابتدعها” سكان الأحياء للتخلص من النفايات وكرسها المسؤولون محارق عامة في أماكن مخفية عن الأنظار.

ومثال آخر أدّعي أنني مقتنعة به وهو أن بيروت بشكل خاص ولبنان بشكل عام يقوم على أكتاف النساء العاملات داخل المنازل وخارجها على السواء، وهنّ نساء في نفس الوقت لا يتمتعن بكافة حقوقهن كالرجال.

في بيروت كما في باقي المناطق اللبنانية المواطنون معتادون على مبدأ الازدواجية التي “يمتازون” بها عن باقي العواصم العصرية، يدفعون فاتورة كهرباء الدولة وفاتورة “موتور الكهربا” الخاص بكل بناية أو حي، يدفعون فاتورة مياه الدولة ويدفعون فاتورة نقليات خاصة للماء المنقولة إلى منازلهم، يدفعون للبلديات كي تنير لهم الطرقات العامة، طرقات لا تضيء مصابيحها في معظم الأوقات ليلا.

يأخذون سياراتهم إلى امتحان “الميكانيك” كل سنة لأجل إثبات استيفاء شروط القيادة على الطرقات، طرقات كفيلة بأن تحطم أي سيارة من كثرة الحفر وعدم مراعاة “تزفيت” الطرقات بالسنتيمترات المتفق عليها عالميا.. تكثر الأمثلة ويستحيل ذكر معظمها هنا.

بالطبع هكذا ازدواجيات وتناقضات في المعايير يستحيل أن لا تجد طريقها إلى تبديل يكاد يكون “جينيا” لسكان من “نوعيات” قل مثيلها في العالم، تبديل يشبه ما حدث للمخلوقات البرمائية التي تمتلك حوافر تفصل ما بينها طبقة جلدية واسعة تسهل لها السباحة أيضا.

وقد يكون مثال “الخطابات السياسية” التي تسرد على مسامع المواطنين يوميا مثالا “أنطولوجيا” على ذلك، فالسياسي في لبنان حين يسرد أكاذيبه لا يقصد ذلك، فهو مقتنع حتى الصميم أنه، على سبيل المثال، من الذين يكافحون فسادا هو من  أشطر صنّاعه.

أما المواطنون فهم أيضا من نوعية “مستحدثة” فكلهم دون استثناء يهاجمون السياسيين كلهم وفي ذات الوقت “ينتمون إليهم” طائفيا، مما يلغي أي احتمال لتغير الوضع العام حين تأتي أي فرصة ضئيلة لذلك.

ويحاول في خضم تلك الحالة المرضية، يحاول “جنين” المجتمع المدني أن يتكوّن في رحم البلد دون أن يشرب من الماء الملوث ويأكل من الخضروات المروية بمياه المجارير ويتنفس من الهواء المثقل بالجراثيم.

أما الفن اللبناني المعاصر، فهو أيضا وليد تلك الازدواجيات والتناقضات، إثر انكفائه لعدة سنوات بعد اندلاع ما جرى على تسميته بـ”الثورات العربية” ليثبت أنه فن عابر لتلك التناقضات محاولا ابتكار هوية كونية تدمغها محاولات اختراق العتمة، بعد أن انشغل طويلا في تظهير أسباب ونتائج الحرب اللبنانية.

هو اليوم فن أكاد أسميه “غرائبيا”، لأنه يسلط الضوء على الطبيعة الغناء والذاكرة السعيدة والرخاء الخجول من ضمن فقاعات خاصة بكل فنان، ولكن مفتوحة على العلن ومتصلة بكوابيسه اليومية.

نذكر من الفنانين اللبنانيين الذين اختاروا عن قصد أو غير قصد اختراع  فن “خلاصي” موشوم برماد الواقع، الفنان شوقي شمعون الذي عجت لوحاته بمادة “سكرية” ملونة تذكر بالمثلجات الشهية، والفنان جورج مرعي الذي انشغل في معرضه الأخير بحروفية نزقة “دقها” في لوحاته كما تدق المسامير في ألواح النحاس التراثية، والفنان شارل خوري الذي تحولت مخلوقاته إلى كائنات فضائية والفنان النحات بسام كيريللوس الذي باتت منحوتاته كونية بعد أن خرجت من رحم الخراب اللبناني.

أليست بيروت مدينة استثنائية؟ هي كذلك، الرجاء يبقى ألا تكون هذه الاستثنائية شكلا من أشكال موت جديد.

17