بيروت المُضاعفة

ليست بيروت في هيئتها الحالية مدينة “هيبريالية”، لأنه سيترتب عن ذلك أن يرى ساكنوها الواقعي والافتراضي على أنهما حقيقة واحدة، بل بيروت هي مدينة مدعومة "بالواقعية المُضاعفة".
الجمعة 2018/05/11
ليست بيروت في هيئتها الحالية مدينة "هيبريالية"

كل من قال بأن بيروت جوهرة الشرق الأوسط كان مُحقا ولا يزال، وذلك رغم كل ما أتى عليها من كوارث، وكل ما خرج من براكينها المُسطّحة من حمم طالت أهلها قبل أن تطال القادمين إليها قسرا أو حبا لها.

أغلب الظن أنها ألماسة بالغة الشفافية تشظت إشعاعاتها شمالا ويمينا حتى أصابت كل ساكنيها بمس من جنون لا هو حب ولا هو فتور، إنما تقلبات عاطفية/بصرية داهية عرفت كيف ترتقي سلالم الواقع نزولا وصعودا، دخولا وخروجا من الواقع الفجّ إلى ما جرى على تسميته تكنولوجيا “بالواقع المُضاعف” الذي لا يجب خلطه “بالواقع الهيبريالي”.

ما عليك لتستشعر تلك التقلبات وهي في أقصى تجلياتها، إلاّ أن تكون في بيروت لمدة لا تقلّ عن شهرين قبل وحتى حلول يوم الانتخابات النيابية التي تأجل موعدها ضد عرف القانون حتى استوى على نار الترقب والتجاذبات الخارجية التي وإن لم تكن موجودة بشكل كاف، فأهل البلد تكفلوا باختراعها داخليا حتى يتمكنوا من العيش في بيئة هي في نظرهم الأصلح للعيش، ما عليك إلاّ أن تتلقّف بيروت كعمل فني ّما بعد حداثي اكتسب واقعا مُضاعفا غلّف أشكال الحياة فيها بطبقة رقيقة.

ليست بيروت في هيئتها الحالية مدينة “هيبريالية”، لأنه سيترتب عن ذلك أن يرى ساكنوها الواقعي والافتراضي على أنهما حقيقة واحدة، بل بيروت هي مدينة مدعومة “بالواقعية المُضاعفة”.

وبالرغم من كون أهلها عاشوا لأكثر من 35 سنة  تحت وطأة ظروف اقتصادية وسياسية ونفسية وأمنية قاسية، فقد تمكنوا من أن يشيّدوا لمدينتهم في فترة الانتخابات هذه، واقعا إضافيا أشبه بورقة استشفاف (تريّسينغ بيبر) ألصقوا عليها صورا للمُرشحين وشعاراتهم، وطعّموها بالأغاني المُرتبطة بهؤلاء و”برمجوها” لكي تنطلق صارخة من مكبرات السيارات، ثم أرخوا بها، أي بورقة الاستشفاف تلك، على كافة ساحات المدينة.

ورقة، أهميتها أنه يُمكن قلبها كما تقلب ورقة استشفاف من على رسم فنيّ لعلم البيروتيين أنها “مُضافة” يُمكن نزعها من على واقع ثابت نسبيا، أما “سحرية” هذه الورقة، أنه بإمكانها أن تُقلب من تلقاء ذاتها في بلد ساد فيه اختلاط المجهول بالمعلوم كشكل لحياة عادية تماما.

هل هذا الواقع المُضاعف للمدينة المُتمثل، هو واقع بديل وجهه الإيجابي أم أنه في الما بين؟ فهو من ناحية مؤقت، ومن ناحية ثانية هو من ضمن منظومة مُصممة لأن تكون “واقعية” يترتّب عنها نتائج أغلب الظن أنها ستكمل الأخذ بالبلد إلى آفاق مجهولة اعتادها اللبنانيون إلى أن تستقر المنطقة العربية بأسرها، هذا إن حدث ذلك فعلا ولصالح المنطقة.

مدينة تختنق بصور المرشحين
مدينة تختنق بصور المرشحين

المشهد السائد، هو لمدينة تختنق بصور المرشحين بكل الأشكال والأحجام، مُعلقة بأساليب مُختلفة صعودا إلى المباني والشرفات وأسلاك الكهرباء، مُتسلقة حتى عجلة مدينة الملاهي الشهيرة، نزولا إلى السيارات وكافة وسائل النقل وقمصان المارين في الطرقات.

كما حضرت العديد من الصور التي تغطي الواحدة منها بعضها الآخر وتتجاور بشكل سريالي مع الآرمات التجارية ومستوعبات النفايات، صور تنحدر من أعلى جدارعمارة أو تقيم جسرا ورقيا ما بين أطراف “أوتوستراد” واحد.

وفي نسيج ورقة الاستشفاف تلك، التي أضيفت إلى وعلى سطح واقع المدينة، سيل من الشعارات المكتوبة والطنانة، والكوميدية والدرامية والساذجة والرديئة.. تخالطت وتنافرت، وألغى بعضها البعض الآخر لتخلّف صداعا لكل من التفت إليها.

نكتشف أن بيروت ليست فقط هذه الألماسة، بل إنها متقدّمة على تقنيات “غوغل” في التفاعل مع الواقع المُضاعف، ففي حين يحتاج البشر إلى “غوغل غلاس”، أو عدسات لاصقة خاصة لكي يتمكنوا من رؤية الواقع المُضاف كورقة استشفاف على الواقع الفجّ فالبيروتيون بشكل خاص قادرون على رؤية “الواقعين” والتفاعل معهما دون حاجة لأي نظارت متطوّرة تكنولوجيا.

إنها نعمة مكنتهم  من احتراف بهلوانية اختراق طبقات الوجود في عاصمة عربية، لا تريد أن تهدأ ولا أن تستقر على حال.

17