"بيروت بعد الأربعين".. فيلم سيرة ذاتية يروي حكاية الجرح اللبناني الحيّ

المخرج أنطوني مرشاق اعتمد في فيلم "بيروت بعد الأربعين" على تسجيل ما يشبه السيرة الذاتية مقدما لقطات حقيقية توثّق جوانب من آثار الانفجار لحظة حدوثه.
السبت 2021/07/24
حدث يقود إلى حدث آخر أكثر تعقيدا

حقّق فيلم “بيروت بعد الأربعين” للمخرج أنطوني مرشاق حضورا هاما على منصات التتويج في السينما العالمية، حيث فاز بجوائز في البرازيل والولايات المتحدة، وهو يرتحل حاليا في العديد من المهرجانات العالمية، حيث من المقرّر أن يخوض غمار التنافس مع مجموعة من الأفلام الوثائقية في ما يقارب الخمسين مهرجانا. وهو الفيلم الذي وثّق بعضا من تفاصيل ما حدث بعد انفجار مرفأ بيروت في صيف 2020 ومآلات ذلك على حياة الناس.

تتداخل الأزمنة في فيلم “بيروت بعد الأربعين”، لتغدو متماهية من خلال فيلم يصوّر داخل فيلم. فطاقم فيلم وثائقي حمل عنوان “خيط التماس” صاروا جزءا من فيلم آخر حقيقي عاشوه بكل تفاصيله الصادمة.

ففي بيروت، وتحديدا في الرابع من أغسطس 2020، كان مخرج الفيلمين أنطوني مرشاق وفريقه يتابعون العمل في تصوير فيلمه الأول “خيط التماس”، والذي يتحدّث عن هموم الشباب اللبناني ويسجّل العديد من وجهات النظر لشباب تتأرجح أحلامهم ومصائرهم بين السفر والبقاء في لبنان رغم الظروف الصعبة التي تواجههم فيه.

وبينما هم في صميم الاشتغال على إنجاز مرحلة ما من فيلمهم التسجيلي، يحدث انفجار مرفأ بيروت القوي الذي هزّ العاصمة اللبنانية وخلّف العديد من الضحايا والجرحى في ذلك اليوم الصيفي الحار.

مشاهد حقيقية

أنطوني مرشاق: الجسد ظل حيا بعد الانفجار، لكن الروح أصابها الوجع

اعتمد مخرج الفيلم مرشاق خريج كلية الفنون الجميلة والعمارة من الجامعة اللبنانية على تسجيل ما يشبه السيرة الذاتية في فيلمه. فسجّل لقطات حقيقية للعديد من أماكن الحادث، كما استعان ببعض المشاهد التي أخذت من كاميرات الحراسة في أمكنة قريبة وثّقت جوانب من آثار الانفجار لحظة حدوثه، فبدت وثيقة بصرية حقيقية دعّمت الفيلم بمصداقية عالية.

شريط ذكريات المخرج وروايته لما حدث كان الحامل الفكري للفيلم. وعبر زمن الفيلم القصير روى مخرجه ما كان حدث في ذلك اليوم قبيل وبعد هذا المفصل الحياتي الكبير في حيوات كل الوطن اللبناني، حيث تحدّث عن زوايا المكان وتفاصيل حركته في لحظات ما بعد الانفجار المدوّي، وروى كيف أوقف سيارة كانت تتحرّك مبتعدة عن المكان وكان فيها شخص مجهول بالنسبة إليه، فتوقّف الشخص ونقله إلى مقصده دون أن يعرف عنه شيئا.

وفي آخر مشاهد الفيلم اتصل به وكان اسمه في الهاتف مجهولا، فكتبه “الرجل الذي أقلني”. وطلب منه المجيء ليكون جزءا من الحدث السينمائي، فأتى الشاب وأجاب على سؤال المخرج حول سبب نقله إياه رغم عدم معرفته به، فقال “سأفعل ذلك حتما، فكل لبناني هو لكل لبنان، ونحن نعيش معا والمخاطر التي تحدق بنا واحدة والآمال واحدة”.

في الفيلم تتجاور الأزمنة بين الواقعي والمتخيل، حيث رصد المخرج في فيلمه تفاصيل الزمن الأصعب، وهو الدقائق الأولى التي تلت حدوث الانفجار، فصوّرها بتفاصيل مكانية حكى فيها لحظة حدوث الانفجار والخراب الذي أحاط بالمكان ثم بالحركة التي قام بها برفقة ممثل كان معه.

ورصد زيارته لمركز طبي قريب لمعالجته من جرح أصاب قدمه، وكيف تعاون الطاقم الطبي معه ومع العشرات من المصابين الذين كانوا يتوافدون على المكان.

دهشة المخرج أمام هول الكارثة

وعن ذلك يقول مرشاق لـ”العرب”، “الثلاث دقائق هذه غيّرت كل مفهوم الفيلم، فقبل هذه الدقائق الثلاث كان نمط الفيلم بشكل محدّد وبعدها صار في شكل آخر مختلف كليا، في القسم الأول كانت الحياة طبيعية وليس ثمة خطر، وبعدها تغيّرت حياتي وحياة بيروت وكل مواطن لبناني”.

ويضيف “تجربتي الشخصية هي التي عرضت في هذه الدقائق، هذا صحيح، لكنها مشابهة لما جرى مع الكثير من المواطنين اللبنانيين بعد حادث الانفجار. هذه الدقائق الحارة كان كل مواطن لبناني فيها لا يعرف بعد ما الذي جرى؟ وكان يظن أن  الانفجار قد جرى بقربه. كانت دقائق ضياع كامل وتشتّت وذهول، حيث الشعور بالخوف والقلق”.

وفي هذه الدقائق انتقل مرشاق للتعرّف على الآخرين ومعرفة ما حدث معهم ووجهات نظرهم في ما يدور حولهم لحظتها. وهنا تغيّرت ملامح الفيلم.

ويقول موضّحا “هذه الدقائق الثلاث أجابت على ما قدّمه الفيلم الأول الذي كنا نصوّره، بحيث صرنا فيلما داخل فيلم، صورة الواقع اكتملت بعد هذه الدقائق والذكريات فيها لا تنسى، الحياة سوف تستمر لأنه يجب أن يحدث ذلك. الجسد حي ولكن الروح أصابها الوجع ممّا حدث في ذلك اليوم الصعب والدامي. الطاقة التي كنا نمتلكها عن بيروت الجميلة والعنفوان الذي يميّزها تلاشت تحت وقع هذه الكارثة. الحدث هو انكسار الشباب الذين عاشوا هذه المرحلة في بيروت حينها، نحن سنستمر في حياتنا اليومية، ولكن بفاتورة روحية مكلفة، لا شيء يصلح هذا الوجع. أتمنى على المستوى الشخصي أن نعرف من هو المسؤول عن هذه الكارثة وأن يلاقي جزاءه العادل”.

طموح وآفاق

الفيلم وثّق بعضا من تفاصيل ما حدث بعد انفجار مرفأ بيروت في صيف 2020، ومآلات ذلك على حياة اللبنانيين

حقّق مرشاق خلال مسيرته الإخراجية القصيرة طموحات وإنجازات سينمائية هامة، جعلته واضح الأثر في منصة السينما في لبنان. فقدّم فيلم “هيك بدن” الذي يتحدّث عن نساء تعرضن للاغتصاب ونال عنه ست عشرة جائزة عالمية، منها جائزة أفضل فيلم متوسط وأفضل مخرج وجائزة التوعية الاجتماعية في مهرجان البرازيل الدولي الشهري عام 2020.

كما فاز عن العمل ذاته بجائزتي أفضل فيلم وأفضل تصوير في مهرجان برودواي بالولايات المتحدة في دورته الثالثة عشرة.

وفي فيلمه الأحدث “بيروت بعد الأربعين” نال جائزة أفضل فيلم وثائقي سيرة ذاتية في مهرجان لندن للأفلام الوثائقية، ثم شارك في البرازيل ضمن مهرجان جوائز غرالها العالمية للأفلام الشهرية، وحقّق فيه جائزة أفضل فيلم وثائقي وأفضل مخرج.

كما شارك في مهرجان جوائز جنوب أميركا للسينما الوثائقية وحقّق فيه جائزة أفضل فيلم وثائقي وأفضل مخرج. وسيكون الفيلم مشاركا في مهرجان برودواي الدولي في دورته الـ14 الذي سيقام قريبا في لوس أنجلس.

وعن آماله من فيلمه الجديد، يقول “الفيلم في تفاعل واسع الطيف مع العديد من المهرجانات السينمائية العالمية، وأنتظر أجوبة  العديد من المهرجانات التي وصلها وسوف تبت في أمره، سواء في الترشيحات أو الجوائز. هناك حوالي الخمسين مهرجانا تتفاعل مع الفيلم وآمل أن يكون في العديد منها سواء عبر المشاركة أو حصد الجوائز”.

وهو يستعدّ حاليا للبدء في تصوير فيلم ثالث بعنوان “مش للبيع” عن قصة حب متخيلة، كما يستعدّ لإنجاز فيلم رابع لم يستقر بعد على عنوان له.

ويضيف “كذلك طلبت مني جهة إنتاجية إخراج فيلم جيد، وأنا الآن في مرحلة قراءة النص، أحب أن أقرأ النصوص وأن يكون في الفيلم طرح جديد. تأثر عملي في المرحلة الأخيرة بجائحة كورونا حيث توقّفت بعض المشاريع التي كنت عازما على الانطلاق فيها، لكننا كفريق عمل متكامل ومتجانس سنعمل بكل ما أوتينا من قوة على تحقيق أحلامنا السينمائية، ونرفع اسم لبنان ومن ثمة العرب في المحافل السينمائية الدولية على أكمل وجه”.

14