بيروت تتحول إلى ركام وأهلها في العراء

آليات إزالة الركام عاجزة عن دخول بعض الطرقات التي يسدها ركام الأبنية بالكامل.
الاثنين 2020/08/10
المتطوعون يسبقون الحكومة

بيروت - تتطاير الستائر خارج المباني في هواء بيروت الطلق وقد تحررت من الزجاج الذي كان يحرسها قبل أن يتناثر شظايا في الشوارع والبيوت التي أصبحت بلا شرفات وتتدلى منها عناقيد الخراب.

ويشعر سكان العاصمة المصنفة منكوبة بأن مدينتهم نامت بين الألغام لتستيقظ على كابوس ترك ندوبا وشقوقا في عمرانها.

وبدت النوافذ في أحياء متداعية من الجميزة إلى الباشورة ومنطقة المرفأ وزقاق البلاط وبرج أبوحيدر والأشرفية والبسطة وبشارة الخوري، عارية من زجاجها والأسقف من قرميدها وتدلت من بعضها أسياخ معدنية ملتوية وتطايرت أسطح بعض الشقق السكنية فأصبحت مكشوفة للسماء.

ومنذ الكارثة لا تزال الأشجار التي اقتلعها الانفجار والسيارات التي يغطيها الركام حبيسة الطرقات.

وتعجز آليات إزالة الركام عن دخول بعض الطرقات في الجميزة وشوارع مار مخايل والعكاوي التي يسدها بالكامل ركام الأبنية.

وبينما تتضح يوما تلو الآخر معالم الكارثة التي اخترقت المنازل البيروتية، يجوب الشوارع المكلومة متطوعون يحملون الجواريف للمساعدة في إزالة الحطام بينما يشارك آخرون في حملات لإزالة حطام الزجاج ورفع الأسقف المنهارة وهياكل الألومنيوم والحديد الملتوية والحجارة المهدمة من الشوارع.

عدد قليل من السكان بدأ بإصلاح ما تهدم فيما آثر آخرون الانتظار وذلك بعد أيام على الانفجار الذي أصاب المدينة

وتتناثر في الطرقات كتب وأدوية وملابس وأثاث وأسقف قرميدية أثرية منهارة.

يحاول المواطنون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من محلاتهم ومنازلهم فيما نصبت الخيام على الأرصفة في محاولة لإيجاد مأوى للناس الذين فقدوا منازلهم بالكامل.

الشاب السوري مؤمن دركزنلي قال وهو يلملم ما تبقى من أشيائه في الشارع “أتيت من سوريا قبل أربع سنوات هربا من الحروب هناك واشتغلت في فرن قريب من هنا. آخر ما أذكره يوم الثلاثاء أني شاهدت كتلة نار بحجم نحو عشرة طوابق دفعتني على مسافة أمتار.. غبت عن الوعي وعندما أفقت وجدت أن الجدران فتحت على بعضها بيني وبين الجيران وكأننا في منزل واحد”.

وتستعيد إلسا سعادة التي تعمل في صيدلية بشارع مار مخايل اللحظة بكل تفاصيلها قائلة “في البداية سمعنا صوتا عميقا ثم زمجرة وكأنه تسونامي لثوان قليلة ومن ثم اهتز المبنى مع صوت قوي وكأن الكون كله اهتز فوق رؤوسنا وكنا متأكدين أنه زلزال سيهد الكون بأكمله. إنها نهاية العالم فعلا. خلص خلصنا”.

“كنا شخصين هنا، السقف وقع علينا والأدوية والطاولات والأشياء الأخرى غطتنا ولكننا لم نصب والحمد لله.. وكأن العناية الإلهية تدخلت لإنقاذنا”.

وبدأ عدد قليل من السكان في إصلاح ما تهدم فيما آثر آخرون الانتظار وذلك بعد خمسة أيام على الانفجار الذي أصاب مدينة لا تزال تعاني ذكريات حرب أهلية وتئن تحت وطأة أزمة اقتصادية طاحنة وارتفاع في معدلات الإصابة بفايروس كورونا.

كارثة تتطلب وقتا لترميمها
كارثة تتطلب وقتا لترميمها

تملك لورا محلا لبيع الملابس التراثية في الجميزة وتحكي بأسى ولوعة قائلة “أنا فقدت بيتي ومحلي وانجرحت لكني أبكي على قطتي التي قضت بين الزجاج والحديد”. وأضافت “المؤسف أن الناس ماتوا في بيوتهم.. أي في المكان الذي يفترض أن نحس فيه بالأمان، ليس لنا درج نصعد عليه لبيوتنا لنرى ماذا حل بها، ولم يبق عندنا شباك ولا باب ولا سقف ولا شرفة”.

وتشهد الجميزة المعروفة بحاناتها وأماكن السهر يوميا توافد شخصيات من المتطوعين والفنانين والإعلاميين بعد أن زارها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتفقد سكانها وأوضاعهم عن كثب.

وفي هذا الحي ذي الطابع الأثري في معظمه رفضت روز (90 عاما) الرحيل عن منزلها يوم الكارثة، وجلست على كرسي أبيض قديم في شرفتها الآيلة إلى السقوط معلنة أنها ترفض المغادرة.

أضحت روز مقصدا للزوار ورمزا للصمود في الجميزة وأدلت بتصريحات عدة لوسائل إعلام محلية وأجنبية مرددة “أيعقل هذا!” وتحولت تلك العبارة إلى شعار في المنطقة المنكوبة.

وفي شارع الجميزة نفسه جالت الفنانة اللبنانية ماجدة الرومي بهدف مساعدة السكان على تنظيف وكنس شوارعهم. وخلال تجوالها كانت جموع المواطنين تتحلق حولها لتردد على مسامعها مقطع “قومي من تحت الردم” من أغنية “ست الدنيا يا بيروت”.

وتوجهت الرومي إلى السكان قائلة “هاتوا مكانسكم وتعالوا ننظف بيوتنا. هذا وطننا… كل الطوائف تساوت اليوم في الموت والألم والمصائب. نحن تعرضنا لغدر. نحن محاطون بخونة”.

على مقربة من الجميزة يعمل نسيب الدنا في دكان تجاري صغير في حي مار مخايل ويتمتم وهو يحاول تنظيف ما تبقى من المحل “هذا هو الجحيم بعينه!”.

وقال “لا يكفي أننا نعيش أزمة اقتصادية واجتماعية وحالتنا بالويل.. أتت هذه المصيبة لتقضي علينا. هذا لا يمكن أن يسمى إهمالا. هذه جريمة موصوفة. نحن متنا، الله يرحمنا. نحن عشنا كل فترات الحرب الأهلية وغيرها من الحروب. كنا في كل مرة نلجأ من منطقة إلى منطقة ومن حي إلى حي في بيروت. ولكن هذه المرة وصلنا إلى طريق مسدود. البحر أمامنا والدمار وراءنا”.

وبمرارة شديدة يضيف الدنا “الطبقة الحاكمة والمسؤولون سفكوا دمنا على مدى سنوات. تقاتلوا وتصالحوا ومن ثم تخاصموا ومنحوا أنفسهم عفوا عاما عن كل الجرائم. ولكن هذه الجريمة لن تمر”.

20