بيروت تحتضن تنويعات جمالية تشارف حد التناقض

في وسط بيروت وعلى جزيرة غير نائية زرعت مؤخرا بالحفريات المغبرّة، قصد المتحمسون الأشداء الذين لا يملكون سيارات، وذلك تحت أشعة شمس الخريف اللاسعة، “مركز بيال” للمعارض سيرا على الأقدام، كان معظمهم مصحوبا بإحساس الضياع في متاهات الغبار أو الرمال غير المتحركة، حتى إشعار آخر، إلى حين وصولهم إلى قلب "مركز بيال" المشيّد على مطمر نفايات الحرب اللبنانية.
الخميس 2015/10/08
أعمال تنطق بإحساس الغربة والتخلي

بيروت - في قلب “مركز بيال” البيروتي أقيم كما في كل سنة معرض “مينا أرت فير” الذي يندرج ضمن إطار المعارض الدولية المخصصة للفن المعاصر. معرض فنيّ أكّد مجددا على مكانة بيروت، بالرغم من رياح التغيّر التي تعصف بها مؤخرا، كعاصمة للفن وكصلة وصل بين منطقة شرق الأوسط وأفريقيا الشمالية وآسيا.

اشتركت في هذا الحدث الفني السنوي مجموعة من صالات العرض اللبنانية وغير اللبنانية التي تختلف في رؤيتها الفنية، والتي واظبت في معظمها على المشاركة السنوية في هذا الحدث.

قدمت هذه التظاهرة الفنية مجموعة من الفنانين الناشئين، إلى جانب عرض أعمال فنانين مكرسين عالميا، رغبة منها في توسيع مروحة التمثيل الفني، مما أمّن تلقائيا للحدث الثقافي حيوية ونظرة لا يمكن من دونهما رؤية عالم الفن اليوم بكل تنوعاته التي تشارف حدّ التناقض، وتمثل نزعات فكرية وشكلية منها المعاصر ومنها ما لا يزال يعتمد على التقنيات التقليدية، ولكن بأسلوب فني وطرح مبتكر.

1500 عمل فني بتوقيع أكثر من 300 فنان من بينهم شادي زقزوق من فلسطين، وشوقي شمعون، وألفريد طرزي من لبنان وفرح خليل من تونس. اللافت في هذا المعرض أن الأعمال الفنية التي نشأت في منطقة الشرق الأوسط أو تلك التي قدمها فنانون عرب مهاجرون بسبب الأزمات التي عاشتها أو لا تزال تعيشها بلادهم، هي ربما من أهم الأعمال الفنية المعروضة خاصة من حيث الزخم الذي يوحي به والذي يستوقف الزائر في خضم كثرة الأعمال المعروضة.

نذكر من هذه الأعمال تلك التي قدمها الفنانون باسم دحدوح وإسماعيل الرفاعي وحمود شنتوت وناصر، معظم هذه الأعمال تنطق بإحساس الغربة والتخلّي.

وضمّ المعرض أيضا مجموعة كبيرة من الأعمال الفوتوغرافية والمنحوتات الضخمة والتفاعلية، وأعمال من التصميم المعاصر، وقد عقدت محاضرات حول الفن وقدّمت عروض موسيقية وأنشطة فنية لصغار السن، كما خصص حيز كبير للفن الرقمي الذي رافقته شروحات ملصقة على الجدران تركّز على خصوصيته، وعلى اعتماده على الأفكار المطروحة أكثر من اعتماده على جمالية التنفيذ.

قال باسكال أوديل أحد القيمين على هذا المعرض حول الاهتمام الكبير الذي خصص هذه السنة للفن الرقمي، أن ذلك “يهدف إلى إقامة زعزعة حواس الزائرين، وجعلهم يسافرون بخيالهم عبر مملكة الأوهام”.

ومع ذلك فهذه “الزعزعة” التي تكلم عنها، تكفلها من ناحية المهلة القصيرة المعطاة للحدث (أربعة أيام فقط)، ومن ناحية أخرى كمية، لا بل “تراكم” الأعمال وتباعدها فكريا وتقنيا.

إضافة إلى ذلك فإنّ اختلاف القيمة الفنية بين عمل وآخر، خلق حتما ضوضاء بصرية وفكرية صعبت معها رؤية أي عمل بمعزل عمّا يحيط به سمعيا وبصريا من مشوشات. نذكر من الأعمال التي تنتمي إلى “المعاصرة” والفن المفهومي، ما قدمه الفنان اللبناني غسان غزال عبر إدخاله إلى أرجاء المعرض خروفا مجزوزا وموشوما بتقنية “البريل” أطلق عليه الفنان اسم “فارو”.

حاول الفنان من خلال تجواله في أرجاء المعرض صحبة الخروف لفت نظر المشاهدين وإثارة أسئلتهم حول “فارو”، ثم بيّن لهم ما أراد التعبير عنه، وهو تسليط الضوء على تطوّر مفهوم التضحية وواقعها الراهن.

لا يخفى على أحد أن الواقع الراهن مرتبط بشكل كبير بفكرة التضحية لدى الشعوب والهرق المستمر للدماء والوقت.

يبقى المعرض تجربة مهمة حيث يتميز بمساحته الشاسعة التي يختلط فيها القيّم بالرث، وتساهم معروضاته في فتح ذهن الزائر نحو آفاق جديدة وتحثّه على تقوية حسّ المقارنة وملكة “الغربلة”، بمعزل عن كونه ضليعا في شؤون الفن أو لم يكن.

16