بيروت تختنق بدخان نفاياتها

يبدو أن قدر اللبنانيين الموت مختنقين في عاصمتهم برائحة القمامة أو بدخانها وما يتركانه من آثار سلبية على أجسامهم، السياسيون لا يعطون لهذا الخطر الداهم أي أهمية إلا جملا قصيرة في منابر الوعود الباهتة أو الصفقات الخفية مع بارونات المال ناسين أو متناسين أن هذا السم القاتل سيشملهم ولن يحترم بدلاتهم الأنيقة كما لن تنقذهم أموالهم الكثيرة من خطر الأمراض الجديدة التي تنشرها القمامة في الهواء والغذاء.
الجمعة 2017/04/07
فوضى خطرة

بيروت- بعد مرور عام على تنفيذ خطة مؤقتة اعتمدتها الحكومة اللبنانية السابقة لحل أزمة تراكم النفايات في شوارع العاصمة بيروت وبعض المناطق، يعيش اللبنانيون متخوفين من شبح انتشار المحارق التي تسبب في حدها الأدنى تلوث الهواء وانتشار الأمراض بين سكان هذا البلد الذي يفتقر إلى استراتيجية لحل أزمة النفايات.

واعتمدت تلك الخطة على استحداث مطامير (مكبات) على ساحل البحر المتوسط، تجمع فيها النفايات المتراكمة في الشوارع بطريقة غير ملائمة، خلافا لكافة القوانين المحليّة والمعاهدات الدوليّة، في ظلّ معارضة شرسة من البيئيين والمجتمع المدني.

الحل المؤقت بدأ يتلاشى كما تتهاوى النفايات كل يوم في البحر مع اقتراب إغلاق إحدى هذه المطامير الثلاث وأقربها من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وهو مكب “الكوستابرافا” في 18 يونيو المقبل، بموجب قرار قضائي. وقبل حلول هذا التاريخ، بدأت توقعات البعض بعودة النفايات إلى الانتشار في الشوارع عقب إغلاق المطامير، فيما يسوق فريق آخر لإقامة محارق كحل للأزمة.

خلال الأيام التي تحرق فيها النفايات تزيد نسبة المسرطنات المنقولة في الجو بنسبة 2300 بالمئة

ويؤكد خبراء البيئة أن شروط تشغيل المحارق غير متوافرة في لبنان على كل الأصعدة، وأن السير باعتماد المحارق يشكّل مخاطرة كبرى عل الصحة العامة والبيئة، خصوصا وأن وضع تلوث الهواء والبيئة عموما في لبنان يقارب حالة المخاطر الصحية الكبرى، متسائلين عن وضعية اللبنانيين مع السير بخيار المحارق، حيث ستكون الأوضاع أكثر حرجا وأكثر سوءا.

ويتخوّف رئيس الحركة البيئية اللبنانية (مستقلة)، بول أبي راشد، من أن يؤدي إقرار “اللامركزية” في إدارة النفايات دون تحديد صيغة محددة، إلى توجّه بعض البلديات إلى إقامة محارق في مناطقها.

تفشي الأمراض

تنتج نظم حرق النفايات مجموعة واسعة من الملوثات، التي تضرّ بصحة الإنسان، إضافة إلى تكلفتها. حتى المحارق الجديدة تطلق المعادن السامة ومادة الديوكسين والغازات الحمضية، كما ينتج عن حرق النفايات الرماد السام الذي يؤدي إلى أمراض خطرة ومزمنة.

والديوكسينات هي الملوثات العضوية الثابتة والأكثر فتكا، وهي مركب شديد السم يسبب السرطان وتلف الأعصاب، كما أنه يؤدي إلى تعطيل الجهاز التناسلي ونظم الغدة الدرقية والجهاز التنفسي.

رئيسة حزب الخضر اللبناني ندى زعرور، سلطت الضوء على المحارق التي سوف تنشر مرض السرطان بين اللبنانيين في حال اعتمادها كحل لأزمة النفايات. وتجدر الإشارة إلى أن السكان المتضررين ليسوا فقط أولئك الذين يعيشون بالقرب من المحرقة، إنما أيضا أولئك الذين يعيشون في نطاق أوسع.

الخبراء يقترحون الحلول والسياسيون يعرقلونها

ويتعرض الناس للمواد السامة عن طريق التنفس في الهواء ما يؤثر على كل العاملين في مجال النفايات وعلى الناس الذين يعيشون على مقربة منها أو على مسافات أبعد باتجاه الريح السائدة، فضلا عن مخاطر يتسبب فيها تناول الأغذية المنتجة محليا أو المياه التي تلوثت نتيجة المحرقة، وكذلك من خلال تناول الأسماك أو الحيوانات البرية التي تلوثت جرّاء الانبعاثات في الهواء.

ونشرت الجامعة الأميركية في بيروت سنة 2016، نتائج بحث أجرته حول نوعية الهواء في لبنان في ظلّ أزمة النفايات، وتضمن البحث نتائج خطرة تؤكد أنه وخلال الأيام التي تحرق فيها النفايات تزيد نسبة المسرطنات المنقولة في الجو بنسبة 2300 بالمئة.

وأوضحت زعرور أنه “مع حرق النفايات سنكون أمام خطر انبعاث الجزيئات السامة، في ظل غياب أي جهود لتأمين خيار آمن يخلصنا من المداخن ورماد المحرقة، الذي ينبغي التعامل معه بحذر على اعتباره من المواد السامة جدا”.

ولفتت إلى أن “الانبعاثات السامة والمواد الخطرة تتركز في الرماد المتطاير الذي يمثل مشكلة بيئية وصحية، ما لم يتم التعامل معه بشكل دقيق جدا قبل التخلص منه في مكبات خاصة، غير متوفرة أصلا في لبنان”. ولعدم الوقوع في حل المحارق، طالبت زعرور المعنيين بـ”إعطاء البلديات حقوقها وأموالها لمعالجة نفاياتها، وباستراتيجية حكومية تضع خطة مستدامة لملف النفايات”.

وأشارت زعرور إلى أن انتشار المحارق “يعني أننا دخلنا في فوضى خطرة لا يمكن رؤيتها لأنها عبارة عن هواء مسموم مسرطن (…)، فوضى دفعت معظم الدول إلى إقفال محارقها لأنها لم تستطع السيطرة على انتشار المحارق أو الرقابة عليها”. وأشادت زعرور بـ”دور السلطة الرابعة (الصحافة) التي وقفت في وجه المسيطرين على قطاع النفايات من حيتان المال، والمروجين لحل المحارق”.

رماد سام

بحسب دراسة أعدها حزب الخضر اللبناني استنادا إلى دراسات عالمية عن محارق النفايات، فإن المحارق مدمّرة، والمواد التي توضع في المحارق كالبلاستيك والحديد والورق ونفايات الحدائق لها قيمة أكبر إذا ما استعملت كمواد خام بدل استعمالها كفيول (وقود) للمحارق.

وتنتج عملية الحرق نوعين من الرماد، رماد القاع، ويتجمع في قاع الفرن، ويكون غنيا بالمواد الضارة بالصحة والملوثة للبيئة، وخصوصا بالمعادن الثقيلة، في حين ينطلق الرماد المتطاير مع الغازات باتجاه المدخنة، ويتكون من جسيمات دقيقة ومتناهية الصغر، وهي عالية الخطورة على الصحة العامة، وتصنف وفق اتفاقية بازل نفايات خطرة، تتطلب التعامل معها على هذا الأساس، ويتم طمرها في مطامير هندسية متخصصة لاستقبال النفايات الخطرة.

المحارق صعبة التشغيل والصيانة، فعملية الحرق هي عملية تقنية معقدة تتطلب خبرات عالية ومتخصصة بالرقابة وبالتشغيل لا يمتلكها لبنان

في محارق النفايات، يكون رماد القاع حوالي 10 بالمئة من النفايات من حيث الحجم، وحوالي 20 إلى 35 بالمئة من حيث الوزن. الرماد المتطاير، يكون بكميات أقل من ذلك، كما أن احتراق البلاستيك، مثل البولي فينيل كلورايد يولد ملوثات سامة جداً، مثل الديوكسين ومركبات كلورية أخرى. وتتولد المواد السامة في مراحل مختلفة من تكنولوجيات المعالجة الحرارية، وليس فقط في نهاية العملية.

هذه المواد السامة يمكن أن تنشأ أثناء العملية، في المصافي، كما في مخلفات الرماد، وحتى في أعمدة الهواء حيث يبقى الرماد السام مكدسا، وبعد تنظيف المصافي يجب طمر المخلفات في مطامير خاصة مصممة ومعدة لاستقبال النفايات الخطرة، وذلك للحدّ من الأضرار التي يمكن أن تؤذي البيئة وصحة الناس.

شددت الدراسة على أن المحارق “تتعارض مع اتفاقية ستوكهولم ، التي أقرها البرلمان اللبناني عام 2002، والتي تنص على أن جميع محارق النفايات تشكل مصادر أساسية للديوكسين، وهي مواد مسرطنة، ولذلك تعهدت الحكومات بإلغاء هذه المواد الخطرة واللجوء إلى وسائل بديلة لإدارة النفايات التي تحول دون إنتاجها بحلول سنة 2025”.

وأوضحت أنها “مكلفة، فمن المعروف أن المحارق وخاصة الحديثة منها، هي من الحلول الأكثر تكلفة، وتفرض أعباء ماليّة ضخمة على المجتمعات المحليّة للإنشاء والتشغيل، إلى جانب مصاريف كبيرة للصيانة”.

وتابعت الدراسة أن المحارق “صعبة التشغيل والصيانة، فعملية الحرق هي عملية تقنية معقدة تتطلب خبرات عالية ومتخصصة بالرقابة وبالتشغيل لا يمتلكها لبنان، فهناك معدلات عالمية للانبعاثات لا يجب تجاوزها، وهذا ما دفع العديد من المحارق في البلدان المتقدمة إلى الإقفال بسبب إخفاقها في المحافظة على الحد المسموح به من الانبعاثات”.

وختمت بالإشارة إلى أن “المحارق تعتمد على تقنيات وخبرات أجنبية أكثر من اعتمادها على اليد العاملة المحلية، وتحتاج إلى مستشارين وخبراء مختصين في عملية التشغيل والصيانة والمراقبة، وهذا الأمر يفتقر إليه لبنان (…)، واستقدام هؤلاء الأشخاص من الخارج سيكلّف الكثير من الأموال سنويا”.

شبح أسود يهدد اللبنانيين بالأمراض القاتلة

يشار إلى أنه وبسبب تزايد المعارضة لفكرة المحارق في العالم، فقد دفع الكثير منها إلى الإقفال، ففي الولايات المتحدة تم إغلاق أكثر من 300 محرقة منذ عام 1985، وفي فرنسا أغلقت 200 وأبقي على 159، وفي الفلبين آلت الاعتراضات على خطط لبناء أكبر محرقة نفايات في العالم إلى إقرار حظر تام على المحارق عام 1999.

كما قامت العديد من الولايات والحكومات المحلية في كندا ونيوزلندا والأرجنتين بمنع حرق النفايات منعاً تاماً، فهل سيسير لبنان بخطة المحارق المسرطنة، أم أنه سيجد خطة بديلة ترضي البيئيين والمواطنين، وتطرد ذاك الشبح الأسود بدخانه المسموم؟

الحلول متعثرة

لا يعني أن المخاطر التي تحدق باللبنانيين من خلال تلوث الهواء ليست لها حلول، فخبراء البيئة يؤكدون أن للنفايات حلولا عديدة وهي متوفرة في لبنان إذا ما توفر الاستعداد السياسي الحقيقي بعيدا عن الخطب والمنابر الإعلامية.

فعملية فرز النفايات هي جزء مهم من الحلّ خاصة إذا ما توفرت الأدوات والآلات العصرية التي تقوم بفصل كل من الحديد والبلاستيك والزجاج عمّا ي تبقى من النفايات التي يمكن حرقها مع تفعيل دور الرقابة للحفاظ على مستوى المواصفات البيئية والعالمية المطلوبة.

ويعتبر الطمر حلا متبعا لدى عدد كبير من البلدان في مطامير صحية تراعى فيها المساحة والطبقة العازلة للحفاظ على نقاوة المياه الجوفية ويتم الطمر بطريقة صحية أي بشكل منحدر وعبر طبقات وعند الوصول إلى نقطة الاستيعاب القصوى لكل طبقة يتم وضع أنبوب كبير ويطمر مع النفايات فيكون متنفساً للغازات المنبعثة من المواد المتخمرة.

ويمكن وصل هذه الأنابيب بمعامل متطورة والاستفادة من الغاز بتوليد الطاقة والكهرباء، ولكن في لبنان مازالت الأمور تسير بشكل عشوائي. يذكر أن النفايات المنزلية يمكن التخلص منها من خلال المطامير دون القيام بعملية الفرز، على أن تكون المطمورة مستعملة بطريقة صحيحة، حينها لا تنبعث منها الروائح ولا يزعج وجودها السكان المجاورين لها.

20