بيروت تهرب إلى الإمام بخطة إنقاذ يصعب تنفيذها

رئيس الوزراء اللبناني يعلن إقرار موازنة 2020 بطموحات وأهداف كبيرة لخفض العجز والوفاء بشروط الإصلاحات.
الثلاثاء 2019/10/22
الشارع لم يعد معنيا بالإصلاحات

استخدمت الحكومة اللبنانية جميع الأسلحة الاقتصادية الثقيلة لتقديم خطة إنقاذ تتضمن وعودا كبيرة وعلاجات صعبة التنفيذ، من المستبعد أن تطفئ غضب الشارع اللبناني، رغم ترحيب المحللين الاقتصاديين ببعض بنودها.

بيروت - تخلى مجلس الوزراء اللبناني عن معظم إجراءات التقشف والرسوم والضرائب، التي كان يعتزم فرضها على عموم اللبنانيين، ووجهها نحو رواتب الرؤساء والوزراء وأعضاء البرلمان والمصارف في محاولة لتفادي انفجار غضب الشارع اللبناني.

وأعلن رئيس الوزراء سعد الحريري إقرار موازنة عام 2020 بطموحات وأهداف كبيرة لخفض العجز والوفاء بشروط الإصلاحات التي تطالب بها جهات مانحة من أجل إطلاق وعود تمويل حصلت عليها بيروت في مؤتمر سيدر في باريس في العام الماضي.

وقال الحريري إن الحكومة تخطط أيضا للموافقة في غضون ثلاثة أسابيع على المرحلة الأولى من برنامج استثماري للحصول على تعهدات المانحين البالغة 11.6 مليار دولار والتي تشترط تنفيذ الإصلاحات.

وتضمنت الإجراءات خطوة رمزية تمثلت في تخفيض رواتب الرؤساء والوزراء والنواب الحاليين والسابقين إلى النصف، إضافة إلى الإعلان عن تنفيذ إصلاحات، كانت مستعصية بسبب خلافات الأطراف السياسية.

وقال الحريري إن القطاع المصرفي ومصرف لبنان سيساهمان بخفض العجز بنحو 5.1 تريليون ليرة (3.38 مليارات دولار) في العام المقبل، تتضمن زيادة الضريبة على أرباح المصارف.

وأضاف أن الحكومة ستسرع الإصلاح الذي طال انتظاره لقطاع الكهرباء الذي تديره الدولة والذي يستنزف مليار دولار من الخزينة كل عام بينما يفشل في توفير الكهرباء الكافية للبنانيين الذين يعتمدون بشكل خاص على المولدات.

سعد الحريري: خطة الإنقاذ التي تم إقرارها أكبر إنجاز في تاريخ حكومات لبنان
سعد الحريري: خطة الإنقاذ التي تم إقرارها أكبر إنجاز في تاريخ حكومات لبنان

وأكد الحريري اتخاذ قرارات لمكافحة الفساد والهدر وتنفيذ مشاريع كبيرة، إضافة إلى خفض عجز موازنة 2020 إلى 0.63 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي من نحو 7 بالمئة في العام الحالي.

وقال إن ذلك “أكبر إنجاز قمنا به وأتحدى بتاريخ الحكومات أن تكون قد عملت شيئا كهذا. يعتبر إنجاز اليوم انقلابا ماليا لنا بالنسبة لعام 2020”.

لكن محللين يقولون إن ذلك الهدف لخفض العجز قد يكون صعب التنفيذ خاصة في ظل تخلي الحكومة عن الرسوم والضرائب التي كانت تعتزم فرضها على عموم اللبنانيين، رغم أن بعض المحللين رحبوا ببعض فقرات خطة الإنقاذ.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية إلى الخبير الاقتصادي غازي وزني قوله إن الخطة “لا تفرض رسوماً أو ضرائب على المواطنين ولا تطال موظفي القطاع العام” إضافة إلى أنها تتضمن التزامات تعهد بها لبنان أمام مؤتمر سيدر، خاصة إصلاح قطاع الكهرباء وخفض عجز الموازنة والنفقات العامة.

وكانت الحكومة قد فشلت في الوفاء بمطالب المانحين بسبب تضارب مواقف الأطراف السياسية والخلاف على الحصص والتعيينات داخل الحكومة التي لا يحظى فيها الحريري بأكثرية.

وقال وزني “نعتبر أن ما تمّ إقراره ورقة إصلاحية مختلفة عن كل ما سبقها وجذريّة، تلبي مطالب وكالات التصنيف والجهات المانحة وصندوق النقد الدولي”.

وكانت وكالة موديز قد حذرت من أنها قد تخفّض التصنيف الائتماني للبنان خلال الأشهر الثلاثة المقبلة “إذا لم يتبلور مسار الأمور باتجاه إيجابي”.

وخفضت وكالة فيتش في 23 أغسطس تصنيف لبنان درجة واحدة إلى “سي.سي.سي” بينما أبقت وكالة “ستاندارد أند بورز” تصنيف لبنان مرجحة استمرار تراجع ثقة المستثمرين ما لم تتمكن الحكومة من “تطبيق إصلاحات بنيوية لتقليل العجز في الموازنة وتحسين النشاط التجاري”.

وبدت التحركات الشعبية غير المسبوقة يوم الخميس التي تهاجم جميع الزعماء السياسيين، بعد شرارة إعلان فرض ضرائب على اتصالات التطبيقات عبر الإنترنت، والتي وصفها محللون بأنها كانت حماقة كبيرة بسبب استحالة تنفيذها. ويكمن محور مشاكل لبنان في حفرة الدين العام التي اتسعت بشكل كبير على مدى العقود الماضية لتصل إلى ما يعادل 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم، في وقت لا يكاد اقتصاده يسجل أي نمو يذكر.

ويحذر كثيرون منذ سنوات من إمكانية إفلاس البلاد، لكن ذلك لم يحدث بسبب مرونة القطاع المالي اللبناني وحنكة البنك المركزي، رغم ارتفاع تكلفة الاقتراض السيادي لتمويل العجز وأعباء الديون المتزايدة.

3.38 مليار دولار مساهمة البنك المركزي والمصارف اللبنانية في خفض العجز العام المقبل

وصمدت الحكومة أمام تراكم العجز الكبير في الميزانية بفضل التمويل الذي يقدمه النظام المصرفي اللبناني الضخم، الذي لديه ودائع تعادل 3 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، وهي ثالث أعلى نسبة في العالم بعد هونغ كونغ ولوكسمبورغ.

وأثبتت تلك الودائع، التي يأتي معظمها من اللبنانيين المغتربين ومواطني دول مجلس التعاون الخليجي، أنها قادرة على تحدي الأزمات والمخاطر بمواصلة النمو خلال فترات الاضطرابات الطائفية والاغتيالات السياسية والركود التام في البلاد.

ووجدت تلك البنوك، التي لا تقدم سوى القليل من القروض لزبائنها، أن من المفيد توجيه ودائعها الكبيرة لتمويل الحكومة والاحتفاظ بها في شكل سندات حكومية، لضمان تجنب مخاطر القروض التجارية. من وجهة نظر البنوك والحكومة فإن هذه العلاقة يمكن استمرارها في ظل ربط قيمة الليرة اللبنانية بالدولار منذ عشرين عاما. ولذلك واصلت المصارف تمويل متطلبات القطاع العام المرتفعة باستمرار في ظل استمرار نمو الودائع.

لكن محللين يقولون إن انحسار تدفق الودائع لأي سبب من الأسباب، يمكن أن يؤدي إلى انهيار الصرح المالي بأكمله، حيث تؤدي أي عمليات معتدلة لسحب الودائع إلى عجز النظام المصرفي عن مواصلة تمويل الحكومة.

وتحذر وكالات التصنيف الائتماني من خطورة استمرار البنك المركزي في تمويل الحكومة من ودائع المصارف، لأن ذلك سيقلص قدرة البنك المركزي على حماية ربط الليرة بالدولار وهو حجر الزاوية الذي يمنع انهيار لبنان وإفلاسه.

11