بيروت تُعيد فتح جراحها عبر لوحات الفنانين العرب

الفن اللبناني يعود إلى الواجهة كلما تعالى دخان الخراب.
الأربعاء 2020/09/23
الانفجار يتشكّل ألوانا حارقة في لوحة اللبناني سمير تماري

لمدة تفوق عشر سنوات حضرت وبقوة أعمال الفنانين التشكيليين السوريين والعراقيين والفلسطينيين على الساحة الفنية اللبنانية بسبب الحروب وضروب الشقاء التي عرفتها بلادهم. أما اليوم، تعود بيروت لتحتضن جرحها الخاص الذي طالما سكن وتورّى ليسع قهر وأزمات العالم العربي كله.

عندما اندلعت الحروب في المنطقة العربية، أصبحت بيروت كشأنها دائما، السباقة في تلقف تجارب الفنانين التشكيليين العرب والعديد منهم استقر في بيروت إلى الآن ليؤسّس مرسما وحياة جدية له.

في تلك الفترة التي لم تقل عن عشر سنوات، انكفأ ظهور التشكيل اللبناني بشكل ملحوظ. وهو إن حضر كان معظمه (وليس كله) يدور في فلك الأوجاع الماضية بشكل مباشر أو غير مباشر.

وبعض الأعمال وشت بدخول فنانين آخرين إلى عوالم ملونة تخفي معاني هي في أحيان كثيرة شديدة التناقض. من هؤلاء الفنانين اللبنانيين نذكر ألفريد طرزي وكاتيا طرابلسي وشوقي شمعون وأسامة بعلبكي وهدى بعلبكي وريما أميوني وغريتا نوفل ورؤوف رفاعي.

جرح واحد

بدأ الأمر يتبدّل مع اندلاع الانتفاضة اللبنانية ليشتد بشكل هائل بعد انفجار بيروت. تزامنت هذه العودة مع غياب للوسيط التقليدي للعرض الفني، أي غابت صالات العرض الفنية اللبنانية وتوقّفت عن العمل بشكل كامل بعد تعرضها لأكبر كارثة في تاريخ لبنان منذ اندلاع الحرب اللبنانية، وهي التدمير الشامل وشبه الكامل جراء انفجار بيروت.

وكل من عاش في بيروت في زمن الحرب يعرف حق المعرفة أنه حتى في أحلك الأيام كانت الصالات الفنية تومض وتضيء بكوكبة من الفنانين اللبنانيين وغير اللبنانيين لتعرض تجاربهم المتنوعة.

اليوم مع هذا الغياب، وجدت تلك الأعمال الفنية “مخرجا” بديلا لها، وهي المساحات الافتراضية للعرض. غصّت شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية الفنية بشتى الأعمال الفنية اللبنانية منها المُنفذ بريشة هواة ومنها ما أنتجه فنانون متمرّسون.

الانتشار السريع للأخبار والمعلومات في زمن سلطة الصورة أدّى إلى ما يمكن تسميته بـ«عولمة» الانفجار البيروتي

لم يقتصر الأمر على ذلك، فالانتشار السريع للأخبار في زمن سلطة الصورة أدّى إلى ما يمكن تسميته بـ”عولمة” الانفجار البيروتي. فكثرت الأعمال الفنية لفنانين عرب قدّموا أعمالا لافتة، هي إن دلت على شيء فهي تدل على أن الجرح ما زال حتى أيامنا هذه جرحا واحدا بأشكال وأسماء مختلفة.

نذكر من الفنانين العرب الفنان التشكيلي الفلسطيني ماهر ناجي الذي أنتج عملا حسيا يعبّر عن فكرة التصدّع الهائل، الذي بتوسّعه في عرض اللوحة لم يصوّر مرفأ بيروت فحسب، بل بيروت ككل وصولا إلى العالم العربي الذي تفاعل مع الكارثة.

ونذكر أيضا الفنانة السورية ميسون علم الدين التي رسمت ثلاث لوحات دفعة واحدة، إلاّ أن أكثرها تعبيرية، هي تلك التي يظهر فيها فتى يقف في وسط الدمار الذي انعكست ألوانه في بحر عينيه الواسعتين.

نذكر أيضا الفنان التشكيلي الجزائري عبدالحليم كبيش ورائعته التي تحمل عنوان “شظايا بيروت”، وأيضا الفنان التشكيلي العراقي كريم الدوسري الذي اختار أن يرفق عمله الفني بمقتطف من كلمات الشاعر السوري نزار قباني “الحب يريدكِ يا أحلى الملكات/ والرب يريدكِ يا أحلى الملكات/ ها أنت دفعت ضريبة حسنك/ مثل جميع الحسناوات/ ودفعت الجزية عن كل الكلمات”.

يذكر أن الفنان من مواليد البصرة وكانت له إلى اليوم مشاركات كثيرة في معارض جماعية في مصر والإمارات ولبنان والأردن وقطر وسلطنة عمان.

الأرض الباكية

أعمال فنية تعكس مشاعر منجزيها تجاه بلد لا يعرف كيف يستقر على حال ترضي أهله وكل من أحبه
أعمال فنية تعكس مشاعر منجزيها تجاه بلد لا يعرف كيف يستقر على حال ترضي أهله وكل من أحبه

من الفنانين اللبنانيين نذكر الفنان سمير تماري الذي قدّم لوحة تجسّد الانفجار، لوحة تشي بأسلوبه الخاص الذي يتميز بالحساسية و”الرهافة”، إذا صح التعبير، حتى عندما يرسم انفجارا بحجم انفجار بيروت. وقد اعتدنا قبل الحدث المأساوي على لوحاته التي تتأرجح ما بين التجريدية الغنائية وتلك التي تستقي مواضيعها من عالم الطفولة.

أما الفنان إيهاب ترَو فقد اختار أن يرسم أحد ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو يقوم بتنظيف الشارع من الزجاج والردم بعد يوم على الفاجعة. رسمه الفنان على كرسيه المتحرّك بتعاطف واضح، وأطلق على هذه اللوحة عنوان “هذا هو بطلي”. والفنان اللبناني حاصل على درجة ماجيستير من جامعة موسكو للهندسة والفنون الجميلة، وهو منخرط في العمل الفني منذ أكثر من عشرين سنة.

لم يغب لا التصوير والتجهيز الفني عن مجمل ما قُدّم من أعمال، ونذكر هنا عملا لافتا للفنان اللبناني محمود ياسين. وأهمية هذا العمل المعنون بـ”الأرض الباكية” تتضاعف عندما نعلم الظرف الذي أنتج فيه، حيث التقط الفنان الصورة الفنية بعدما “هندس” بصريا ما صوّر في الطبيعة الليلية.

يقول الفنان “كنا بالقرب من النهر نحاول أن نغتسل من الأوساخ التي علقت بنا بعد مشاركتنا في رفع الردم عن بيروت، وبعد تنشقنا للكثير من الهواء المسموم، حينها بدأنا نفكر أنا وأصحابي المتطوعين كيف أننا غير قادرين على إنقاذ بلدنا من كل الآفات التي تفتك به”.

وأضاف “ولأنني فنان وجدت بقعة من التراب أمامي، بدأت أشكّلها كي تصبح في هيئة خارطة لبنان. ملأت البقعة بماء ‘الأرض الباكية’ وأضحت شعلة من النار إلى جانبها ثم اخترت الزاوية المناسبة لألتقط الصورة”.

حتى كتابة هذا المقال والفنانون اللبنانيون والعرب يعملون على إنتاج أعمال فنية تعكس أفكارهم ومشاعرهم المتناقضة تجاه بلد لا يعرف كيف يستقر على حال ترضي أهله وكل من أحبه ولا يزال.

Thumbnail
Thumbnail
14