بيروت لم تعد باريس الشرق

طرقات تملؤها الحفر وشوارع يغشاها الظلام والنفايات في كل مكان.
الاثنين 2021/04/19
بيروت عاجزة

مع انهيار الليرة اللبنانية وفي أتون الأزمة الاقتصادية المتفاقمة تعاني بيروت من الشوارع المظلمة في غياب الإنارة والطرقات التي غزتها الحفر وإشارات المرور المعطلة، فمشاريع الترميم معطلة لأنّ المتعهدين يرفضون خلاص المناقصات بالليرة المنهارة. ويتهم سكان بيروت المسؤولين بالفساد ودفع العاصمة إلى وضع لم تعهده حتى وهي في أحلك ظروفها.

بيروت - حتى إشعار آخر، ستبقى أعمدة الإنارة في بيروت مطفأة ومشاريع الترميم معلقة والحفر تغزو الطرق، فلم تعد بلدية العاصمة تجذب المتعهدين مع استمرار دفع تكاليف المشاريع بالليرة اللبنانية الفاقدة للقيمة.

يقول مسؤول في البلدية مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، “ما من متعهد يريد العمل مع البلدية”.

ليلاً، تغرق شوارع بيروت في الظلام جراء تقنين قاس تفرضه مؤسسة كهرباء لبنان من جهة، وأعمدة إنارة وأضواء أنفاق تلفظ أنفاسها الأخيرة في انتظار صيانتها من جهة ثانية.

تمرّ السيارات بصعوبة بين حفر في بعض الطرق، وعند كل تقاطع، يحاول السائقون تفادي التعرّض لحادث بسبب إشارات ضوئية مطفأة أو محطّمة.

ومنذ نحو عام ونصف العام، لم تتجدد عقود صيانة الإنارة والطرقات وإشارات السير.

وأعلنت بلدية بيروت عن مناقصة لمشروع صيانة إنارة شوارع وأنفاق بيروت، لكن خلال اجتماعين عقدا الشهر الماضي لتلقي العروض، لم يحضر أحد.

ويعاني لبنان منذ عقود أساساً من مشكلة متفاقمة في قطاع الكهرباء ذي المعامل المتداعية، ومن ساعات تقنين طويلة تتخطى 12 ساعة في بعض الأحيان.

ومنذ صيف العام 2019، بدأت الليرة تتراجع تدريجياً أمام الدولار وسط أزمة سيولة حادة. ويلامس سعر الصرف في السوق السوداء اليوم 12 ألفاً للدولار، أما سعر الصرف الرسمي فلا يزال مثبتاً على 1507 ليرة.

Thumbnail

وبالتالي، لم تعد المناقصات مربحة وسط عدم القدرة على استيراد مواد أولية يحتاجها المتعهدون بالدولار، وعدم قدرة البلدية على الدفع إلا بالعملة المحلية.

ويقول المسؤول، “إذا أردنا عرض مناقصة مشاريع لهذا العام”، بحسب سعر الصرف الذي يريده المقاولون، “فلن تبقى أموال في الخزينة”.

في مناطق تضررت من انفجار مرفأ بيروت في أغسطس والذي تسبّب بدمار هائل في الأحياء القريبة، تبقى حركة الترميم بطيئة، في ظل أعمال يقوم بها بضعة متعهدين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحد.

ولم تتمكن البلدية التي وقعت عليها مهمة مناقصة مشاريع تدعيم البنى المتضررة، من إتمام المهمة.

يقول المسؤول، “قسمنا المباني المتضررة إلى 15 مجموعة، نجحنا في مناقصة أربع مجموعات فقط”.

ورغم إعلان المناقصة مرات عدة، لم يبد أحد اهتماماً بالمجموعات الأخرى، أما الشركات العاملة حالياً فبدأت تشتكي كون العقد الذي وقعه كل منها بقيمة ملياري ليرة، جرى حين كان سعر الصرف ستة آلاف ليرة للدولار الواحد.

المناقصات خاسرة لعدم قدرة المتعهدين على استيراد المواد الأولية بالدولار في حين لا تدفع البلدية إلا بالليرة

على صعيد آخر، تبدو أزمة نفايات جديدة حاصلة حتماً ما لم تتمكن البلدية من إيجاد حل مع شركة “رامكو” المتعهدة بإزالة النفايات.

ويقول المسؤول، “لا يزال العقد سارياً مع الشركة، لكنها بين الحين والآخر تُهدد بالإضراب وتعليق العمل، لأنها تريد تعديل السعر”.

في شوارع بيروت التي تشهد منذ أشهر طويلة احتجاجات شعبية متقطعة على الوضع المعيشي تركت آثارها على إسفلت المدينة حيث تحرق بين الحين والآخر إطارات، وعلى جدرانها حيث تكتب شعارات تشتم المسؤولين وتطالب بتنحيهم، يبدو الناس منصرفين إلى أعمالهم وهمومهم.

ويقول أحمد (32 عاماً)، وهو سائق حافلة نقل ركاب صغيرة، “الحفر في وسط بيروت، خصوصا التي خلّفها حرق الإطارات، وحدها كافية، في كل مرة نمر فوقها يزداد وضع العربة سوءاً، ولا أستطيع إصلاحها إلا وفق سعر صرف السوق”.

ويضيف، “تعادل كلفة إصلاحها تعب 15 يوم عمل”. ولم تجد مناقصة صيانة الطرق والأرصفة أي متعهد حتى الآن.

في أحد شوارع منطقة الحمرا، يشهد تقاطع رئيسي بين الحين والآخر حادث سير، فيما إشارة السير مكسورة منذ أشهر، ونادراً ما تعمل.

Thumbnail

وكانت هيئة إدارة السير تستخدم مدخولها من عدادات مواقف السيارات في بيروت لتمويل صيانة إشارات السير ونفقاتها، فيما تحصل البلدية بالمبدأ على جزء من العائدات.

وأثار إعلان البلدية عام 2019 أنّها لم تتلق أي مبلغ من العائدات، تساؤلات عدّة. وخلال التحركات الشعبية المناهضة للسلطة، تعرَض عدد من العدادات للتخريب على أيدي محتجين غاضبين إثر تقارير إعلامية عن شبهات فساد في الملف.

ومنذ ذلك الحين، توقّفت أيضاً صيانة إشارات السير.

وتضاف إلى المشهد ظاهرة تشهدها بيروت منذ فترة تتمثل بسرقة أغطية الصرف الصحي من شوارعها وحتى كابلات الكهرباء والقساطل المعدنية. ويرجح أنّ السارقين يبيعون هذه القطع بعد ارتفاع أسعار الحديد بشكل كبير.

وعن تراجع عدد المقاولين، يقول نقيب المهندسين جاد ثابت، إن السبب “بسيط جداً، وهو البلدية”.

ويضيف، “الشركات الخاصة بشكل عام لا تريد العمل مع أي مؤسسة رسمية لأن الالتزامات بالليرة، ولا أحد يريد أن يأخذ مناقصات بالليرة”، مشيراً إلى مناقصات عدة أطلقتها وزارة الأشغال “من دون أن يتقدّم أحد”.

ويوضح “لا يريد الناس الدخول في مشاريع خاسرة”.

Thumbnail

وبغض النظر عن مشاريع الاستثمار والخدمات، تاريخ بيروت مفعم بمشاريع غير مكتملة، ما جعل البعض ينظر إليها كأحد نماذج الفساد في البلاد.

فحتى قبل الأزمة، لم تكن مناقصات المشاريع تمر دون مناورات. ويقول مصدر مطلع على عمل البلدية “دفتر شروط المناقصة كان يُعد على حسب المتعهد” الذي يُراد العمل معه، وبالتالي تكون النتيجة محسومة سلفاً.

ويقول نقيب المهندسين بدوره “منذ ما قبل الأزمة، والبلدية غير فعالة”، مشيراً إلى مشاريع عدة تمت دراستها ومنها ما كان ممولا من الخارج إلا أنه “لم ينفذ شيء منها”.

إلا أن رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني يعيد عدم تنفيذ المشاريع بشكل أساسي إلى “بيروقراطية متعبة” ثم انخفاض قيمة الليرة. ويقول “ثمّة عجز عن استكمال مشاريع كانت أساساً قيد التنفيذ”.

حوّل ذلك كلّه بيروت التي كانت مفعمة بالحياة، إلى مدينة “منهكة وحزينة”، كما تقول أليسار بودرغم (49 عاماً) في محل بيع حقائب صغير في شارع الحمرا.

تنتظر أليسار ساعات طويلة لكي يطل عليها ولو زبون واحد من دون جدوى. وتضيف “الجميع يتحمل المسؤولية من الناس إلى البلدية، فالوزراء والنواب”.

عند تقاطع شارع رئيسي، تنتظر صديقتان داخل سيارة أن تجدا السبيل للمرور، فيما إشارة السير مطفأة. وتقول إحداهن “طبعاً ما من إشارة سير”، فتجيبها الثانية “ما من بلد”.

ويقول المسؤول في البلدية “إذا بقي الوضع على حاله.. فالبلدية حتماً في طريقها إلى الإفلاس، كما هو وضع البلد”.

20