بيروت مُلهمة الشعراء.. والكاتب يولد في القاهرة

الأربعاء 2013/09/11
السهرات الشعرية مع وديع سعادة كانت تمتد إلى ساعات الفجر الأولى

منذ أن وطأت قدماي أرض القاهرة انتابني إحساس غريب لم يسبق أن حدث ما يشابهه في كل المدن التي زرتها. حتى في بيروت التي تحتل منزلة خاصة في روحي. أحسست في الساعات الأولى في القاهرة أنني أشارك في فيلم مصري ليوسف شاهين.

وتحت ضغط هذا الإحساس كنت أتعامل مع الناس والأشياء حتى ظن الكثير منهم أنني مصري يعيش في الخارج وهو عائد من هناك. خصوصا وإنني أتقن اللهجة المصرية إلى درجة كبيرة.

المثقفون المصريون الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم كنت أتحدث معهم كما لو أنني أعرفهم منذ زمن طويل، بلا كلفة أو حرج حتى إنني بدأت أسأل نفسي إن كنت أمثل حقا. المرة الوحيدة التي استطعت أن أتغلب فيها على هذا الإحساس هي عندما جاء دوري في القراءة.

ولكن ذلك لم يدم طويلا. بعد أن انتهى المهرجان بهدوء وبأريحية انتقلت من الفندق الذي احتضن ضيوف الملتقى في منطقة العجوزة إلى وسط البلد وهناك أصبح هذا الإحساس طاغيا إلى درجة أنني بدأت أشعر بالضيق خوفا من أن يفسر تصرفي بهذه الطريقة خطأ.

المفاجأة الكبيرة حدثت قبل أن أسافر عائدا إلى هولندا بيومين. فقد توقف بعض الناس الذين تعرفت إليهم أثناء مهرجان شعري قاهري عن مناداتي بـ"الأستاذ" أحيانا و"شاعرنا الكبير" أحيانا أخرى وأخذوا ينادونني باسمي مجردا واختصروا ذلك بكلمة واحدة: "لقد أحببناك" عندها تخلصت من هذا الإحساس وشعرت براحة كبيرة، لم أكن أمثل إذن في فيلم ليوسف شاهين؟


صافرات الإنذار


في اليوم الأول لي في وسط البلد ومن نافذة الغرفة في الفندق كنت أسمع كل خمس دقائق صوت صافرات سيارة النجدة أو الإسعاف وقد كان ذلك غريبا للغاية. قلت في نفسي ليس من المعقول أن تقع حادثة كل خمس دقائق في القاهرة، والأنكى من ذلك أن تقع كل هذه الحوادث في المنطقة ذاتها.

بدأت أقلق لهذا الأمر لأنه لا يوجد أي تفسير لما يحدث وقررت أن أنزل من الفندق إلى المكان الذي تنطلق منه الصافرات. كان هناك شرطي يقف أمام الباب فتوجهت له بالسؤال، إذ لابد أن يكون عنده ما يحل هذا اللغز.

لم يكن الشرطي مستوفزا.

بل كان هادئا تماما وبادرني بتحية مصرية كاملة خففت من قلقي. قلت له إنني أسمع صافرات شرطة النجدة كل خمس دقائق ولكنني لا أرى شرطة ولا جناة ولا معارك فما الأمر ؟ قال: "لا يوجد أي شيء مما ذكرت. كل ما في الأمر أن هناك دكانا في هذا الشارع يبيع هذه الصافرات. وكلما باع واحدة منها يطلب منه تجربتها قبل شرائها من قبل المواطنين".

حينما رأى الدهشة مرتسمة على وجهي أردف: "طبعا هذا ممنوع. وإذا حدث أن قام أي سائق باستخدام هذه الصافرات في الشارع فإنه سيتعرض إلى غرامة مالية". قلت: "ولماذا لا تمنعون صاحب المحل من بيع هذه الصافرات ؟" ابتسم الشرطي ابتسامة معاتبة وهو يقول: "هل تريد أن تقطع أرزاقنا يا أستاذ ؟!"، قلت في نفسي: "ينبغي قراءة نجيب محفوظ من جديد".


رضيع مؤجر


الزحام في القاهرة غير مسبوق، حتى في لندن التي تعد من أكثر عواصم العالم ازدحاما، لكن في القاهرة الأمر مختلف حتى إن عبور أحد الشوارع الرئيسية فيها يعد إنجازا شخصيا. تستيقظ القاهرة "هذا إذا كانت تنام" على ثلاثين مليون إنسان يجعلون شوارعها وأرصفتها تختنق حتى ساعة متأخرة من الليل.

أما السيارات ومنبهاتها فهي بمثابة ضريبة يومية لا مفر منها. كيف يمكن إذن أن نرى القاهرة في ظل هذا الحشر؟ في الرابعة فجرا، علق أحد الأصدقاء المصريين بينما نحن نجلس في حانة قريبا من ميدان "طلعت حرب".

حتى في مثل هذه الساعات المتأخرة ينشط بعض الناس الذين لا يجدون ما يكفي من الخبز في منازلهم. تدخل الحانة امرأة شابة وهي تحمل رضيعا وتطلب مساعدة من الجالسين. وحين هممت بوضع جنيه في يدها استوقفني أحدهم وقال:"لا تخدعك هذه اللعينة". قلت: "ليس من أجلها ولكن من أجل هذا الرضيع الذي لم يتجاوز الأشهر الأربعة.

انظر إلى دخان السجائر وإلى دخان الأركيلات، إنني شخصيا أكاد أختنق، فكيف به؟"، قال: "توجد الكثير من النساء في القاهرة يؤجرن هؤلاء الرضع بعشرة جنيهات في اليوم. من المؤكد أنه رضيع مؤجر !".


هل أنت بعثي؟


في العجوزة قرب فندق مايوركا كان هناك مقهى صغير يجاور الفندق أردت أن أشرب فيه قدحا من الشاي بعد أن غادر جميع الشعراء إلى اتحاد الكتاب المصريين للمشاركة في أمسية شعرية.

لقد فاتني الباص ولا أعرف الطريق إلى الاتحاد فقررت أن أتصل بأحد الأصدقاء لكي يأتي ويصطحبني إلى هناك. ولأن الفندق خاو من الناس الذين أعرفهم اخترت هذا المقهى الصغير هربا من جو الفندق الذي يبعث على السأم.

قبل أن أنهي قدح الشاي اقترب مني صاحب المقهى وسألني إن كنت بعثيا؟ لقد عقدت الدهشة لساني ولم أستطع أن أجيبه بسرعة وقلت: "هل ترى فيّ أي شيء يوحي بأنني بعثي؟ وقبل أن يجيب أردفت: البعثي عادة ما يرتدي بدلة فخمة ويجب أن يكون له شارب ضخم ومصبوغ وله وجه متجهم.

كلامه أوامر ولديه الكثير من المال فهل فيّ صفة واحدة مما ذكرت لك؟ انظر إلى قميصي الذي اشتريته بخمسة دولارات منذ سنتين وإلى بنطلوني أو حذائي الرياضي". وقبل أن أكمل أراد الاعتذار لكنني وضعت على الطاولة الصدئة جنيها وانصرفت بسرعة إلى الفندق وقررت أن أنام.


وديع سعادة


لم أره منذ أربعة وعشرين عاما. كانت المرة الأولى التي رأيته فيها في بغداد العام 1986 مشاركا في المربد الذي لم يقرأ فيه أبدا. مازلت أتذكر أنه كان يقول للروائي العراقي عبد الرحمن الربيعي "إذا كنت تريدني أن أقرأ فيمكنني أن أقرأ هنا بين أصدقائي" وكان يقصدنا نحن صعاليك بغداد المطرودين من قاعات المربد ومطاعمه.

وديع الذي كان يقضي معظم الوقت معنا في حانات بغداد الرخيصة كان يعود إلى غرفته في فندق الميريديان ليجد عددا آخر في انتظاره. وغالبا ما تكون غرفته مليئة بالشعراء الشباب، حيث تمتد السهرة الشعرية إلى ساعات الفجر الأولى.

كانت غرفته في فندق مايوركا في القاهرة لصق غرفتي وكانت سهراتنا مع الأصدقاء الشعراء المصريين تمتد كما هو حالها في بغداد إلى الصباح أيضا. هنا في قاهرة المعز كان الشباب يحيطون به بوصفه ضيف شرف على ملتقى قصيدة النثر الأول وكنت أشفق عليه لأنه يقضي معظم النهار يجيب عن أسئلة الصحفيين وفي المساء يقضي الليل كله يقرأ أو يستمع لمن يقرأ حتى كاد يغمى عليه.

منذ عشر سنوات وأنا أخطط لكتابة رواية. وهذه الزيارة إلى القاهرة فتحت شهيتي من جديد للبدء بشكل جدي في كتابة روايتي التي تأخرت كثيرا. من المؤسف أنني لم أزر مصر قبل عشر سنوات. فلو حدث ذلك لكنت قد أنجزت أكثر من رواية. من يريد أن يكون شاعرا فليذهب إلى بيروت ومن يريد أن يكون كاتبا فليذهب إلى القاهرة.

14