بيروقراطية الإدارة تعطل مسالك البحث العلمي في الجامعات التونسية

الأزمات التي تمر بها وحدات البحث العلمي في الجامعات التونسية تعكس جانبا كبيرا من الفساد الإداري والمحسوبية اللذين طالا كل القطاعات دون استثناء.
الثلاثاء 2018/04/03
 طموح رغم التحديات

تونس ـ تلوح أزمات التسيير وضعف الإمكانيات وكيفية التصرف في الموارد وخاصة البيروقراطية الإدارية، من أبرز التحديات التي تعصف بوحدات البحث العلمي في الجامعات التونسية وتعطل اشتغالها مماانعكس سلبا على ظروف تخريج الطلاب وإكمالهم لبحوثهم في جل التخصصات العلمية تقريبا.

تزداد أزمة البحث العلمي في الجامعات التونسية تعمقا حين يكشف الطلاب يوميا عن العديد من الصعوبات والمشكلات التي تعطّل سير بحثهم وتجعلهم يبحثون عن موارد إضافية لإكمال رسائلهم، سواء بالنسبة إلى طلاب الماجستير أو خاصة المسجلين في أطروحات الدكتوراه.

وواقع الطلاب وظروف دراستهم تكشف عنهما أحوال وحدات البحث العلمي من الداخل وكيفية إدارتها داخل بعض المؤسسات التي تعيش ترهّلا وحالات من العجز والافتقار لأبسط التجهيزات الضرورية للطلاب، فيما طريقة التسيير وكيفية اشتغال بعض الوحدات شيء ثان يحرج أحيانا المنتسبين إليها بالتحدث عنه وكشف المعاناة التي يعيشها الطلاب.

وبالتعمّق أكثر في مشكلة وحدات البحث العلمي في تونس يتبيّن البون الشاسع بينها وبين نظيرتها في جامعات عربية أخرى، فيما تؤكد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على لسان وزيرها سليم خلبوس أن هذه الوحدات لا تستفيد كما يجب من المخصصات المالية المرصودة لها كل عام وأن هناك مشكلة تتلخص بالأساس في بيروقراطية الإدارة التي عطّلت كل مسالك البحث العلمي في تونس وأضرت بطرق اشتغال وحدات البحث.

عمر بالهادي: المشكلة في التصور العام للبحث العلمي من حيث الهيكلة والتمويل والأهداف
عمر بالهادي: المشكلة في التصور العام للبحث العلمي من حيث الهيكلة والتمويل والأهداف

وذهب خلبوس إلى أبعد من ذلك حين أكد أن الوزارة تخطط لعدم صرف الموارد المالية لوحدات البحث هذا العام حتى تستفيد من مواردها والتي قال إنها في وضعية يمكن وصفها بـ“المجمّدة”، وفي المقابل أوضح أن الوزارة تعمل على سن تشريعات تمكن هذه الوحدات من النفاذ إلى أرصدتها المخصصة لها والحصول عليها في أقرب الآجال.

وعن الوحدات البحثية وأسباب الأزمات والمشكلات التي تمر بها يقول البروفيسور عمر بالهادي ورئيس وحدة بحث بجامعة العلوم الإنسانية والفنون بتونس لـ“العرب”، إن هذه “المشكلات تتجاوز المسؤولين عن الوحدات في أغلب الحالات”. ويعلق بالهادي في تفسيره للأزمات التي تعيشها وحدات البحث العلمي في تونس بأن المشكلة تكمن في التصور العام للبحث العلمي من حيث الهيكلة والتمويل والأهداف والوسائل.

وأشار مختصون في مجال البحث العلمي إلى ضرورة أن تتوفر آليات للتمويل الذاتي في الجامعات ومراكز البحث على غرار الاعتمادات المالية الدولية، حيث يؤكد هؤلاء على ضرورة أن تتوفر لتونس آلية تسمح بتكوين أخصائيين للقيام بمشاريع دولية، إضافة إلى مطالبتهم المستمرة بالقرب أكثر من العالم الاقتصادي من خلال تحفيز الشركات على إقامة شراكات مع الجامعات في مجال البحث العلمي والتكوين المستمر، وهو ما من شأنه توفير الكثير من الاعتمادات المالية للجامعة ودعم البحث العلمي على غرار ما تفعل العديد من الدول التي تركز على هذا الجانب وتدعمه.

ويحذر مسؤولون من الأزمة التي يمر بها قطاع البحث العلمي ويصفونها بالصعوبات الاستراتيجية، مشيرين إلى أنه لم تكن هناك خيارات وطنية واضحة بالإضافة إلى أن أغلب البحوث تكاد تكون عشوائية وغير مركزة على الأهداف التنموية للدولة وسط غياب رؤية فاعلة وواضحة للمشرفين.

وقالت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إن الدولة التونسية تخصص قرابة 300 مليون دينار لتمويل البحث العلمي، وهو ما يعادل تقريبا 0.66 بالمئة من الناتج المحلي الخام و9 بالمئة من تمويل البحث عموما، وهي نسبة ضعيفة ومتدنية جدا بالمقارنة مع ما يتم رصده لقطاعات أخرى، فيما أقرت الوزارة المشرفة بأن القطاع الخاص لا يشارك سوى بـ5 بالمئة في تمويل البحث والتجديد، وهو رقم ضعيف جدا.

وأقر وزير التعليم العالي والبحث العلمي بأن هناك إشكاليات في ما يتعلق بمجال الحوكمة الرشيدة التي تشمل هياكل البحث العلمي مثل المخابر ومراكز البحث داخل الجامعات والتي تحتاج إلى طريقة تسيير أنجع، فيما يؤكد مختصون أن الطلاب الباحثين عموما في تونس يعانون من ظروف بحث توصف بـ“المتردية” وجب تحسينها.

ويؤكد بالهادي أن مشكلة التسيير لا يمكن إنكارها، ويقول “نعم بالفعل توجد مشكلة في تسيير الوحدات من طرف بعض المسؤولين”، لكن لا يمكن إلقاء المسؤولية فقط على المسؤولين لأن الوزارة تتحمل جانبا كبيرا من المسؤولية هي أيضا من ناحية ضعف الرقابة والحرص على تنشيط هذه الوحدات وإحيائها ومنح الفرص أمام الباحثين لخلق شراكات مع بعض الجامعات الرصينة في العالم.

وتسأل “العرب” بالهادي عن مشكلة الضعف في التنسيق وربط علاقات مع بعض الجامعات الأخرى ما هي أسبابه وما مدى انعكاساته على الباحثين مستقبلا، فيجيب “بكل تأكيد الوزير سوف يلقي المسؤولية على الآخرين”. ويضيف “مشكلة العلاقات بدور البحث تبقى دائما رهينة علاقات شخصية، بما فيها الطالب والباحث والأستاذ المشرف”.

وتعكس الأزمات التي تمر بها وحدات البحث العلمي في الجامعات التونسية جانبا كبيرا من الفساد الإداري والمحسوبية اللذين طالا كل القطاعات تقريبا دون استثناء، وهو ما انعكس على البحث العلمي الذي يعيش أسوأ مراحله استنادا إلى توصيف بعض الخبراء والمختصين.

ويصف الغزلاني طالب الدكتوراه، الذي اعتذر على ذكر اسمه كاملا، والمنخرط بوحدة البحث العلمي “الجيوماتيك” في جامعة الآداب والفنون الإنسانية والعلوم بمنوبة، الوضعية التي يمر بها لإنجاز رسالته بالكارثية، ويقول لـ“العرب” “تعطلت كثيرا في إتمام هذه الرسالة التي أخذت كل جهدي  بلا فائدة.. لا تتوفر بوحدتنا ظروف عمل لائقة يمكن أن تحفزنا على الاشتغال. أنا المشرف على فتح الوحدة يوميا مع بعض طلاب الماجستير الذين يعانون هم أيضا من ظروف صعبة.. المكان لا يسعنا جميعا لكن ماذا نفعل، نتحيّل يوميا في الجلوس لمتابعة بحثنا”.

الغزلاني عيّنة للعديد من الطلاب الذين يعانون محنا مضاعفة في سبيل إكمال رسائل بحثهم، وهو ما اعترف به وزير التعليم العالي نفسه، الذي أكد أن المنظومة البحثية في تونس تعاني العديد من النقائص من بينها صغر حجم الهياكل البحثية والجامعية وغياب أو ضعف التثمين الاجتماعي والثقافي وخاصة الاقتصادي للبحث العلمي، إضافة إلى انعدام الربط المؤسساتي بين هياكل البحث والمؤسسات الاقتصادية.

تأزم وضع البحث العلمي في تونس أدى إلى هجرة تكاد توصف بـ"الجماعية" للعديد من الأساتذة الجامعيين وحتى الطلاب الباحثين إلى الخارج

وأدى تأزم وضع البحث العلمي في تونس إلى هجرة تكاد توصف بـ“الجماعية” للعديد من الأساتذة الجامعيين وحتى الطلاب الباحثين إلى الخارج خصوصا في السنوات التي تلت ثورة 14 يناير بتونس.

ويقدر مهتمون بقطاع البحث العلمي بأن عدد الأساتذة الذين غادروا تونس للعمل في الخارج يقدر بحوالي 3 آلاف أستاذ.

وكان زياد بن عمر المنسق العام المساعد لاتحاد الأساتذة الباحثين التونسيين، قد أكد في تصريحات سابقة لـ“العرب” أن “ميزانية البحث العلمي في تونس تقدر بـ0.86 بالمئة من ميزانية الدولة، وهو ما يفسر هشاشة الوضع البحثي في البلاد”. ونفى بن عمر ما صرح به خلبوس حول هجرة 800 أستاذ للجامعة التونسية خلال الثلاث سنوات الأخيرة، قائلا “إحصائياتنا تشير إلى مغادرة أكثر من 3 آلاف أستاذ للعمل خارج البلاد”.

لكن خلبوس قال في حوار تلفزيوني على قناة خاصة في تونس إنه “بالنسبة إلى الجامعة التونسية لا يمكن لأي أستاذ جامعي أن يغادر تونس دون الحصول على رخصة من وزارة التعليم العالي”، مؤكدا أن العدد هو في حدود 1513 أستاذا جامعيا في الخارج وفق إحصائيات وزارة التعليم العالي.

17