بيريسترويكا العبادي هي في النهاية بسبب نار الدواعش

الأحد 2015/08/23

ما يقوم به رئيس الحكومة حيدر العبادي من تقشف ومحاربة فساد، يذكّرنا بمحاولة نوري المالكي الأولى بمحاربة الميليشيات والطائفية والفساد، وعملية صولة الفرسان عام 2008 ليست ببعيدة عنا. لا يمكن في النهاية إصلاح الفساد من داخله، وقد تكشفت الأيام عن أن السيد نوري المالكي كان أكثر القادة الطائفيين حقدا وفسادا، وجرأة على دماء الأبرياء.

البيريسترويكا التي يقودها العبادي اليوم، تتميز بتبدل في مزاج الشارع. الناس تعبوا من الزيارات واللطميات والخطابات العدائية التي لا تجلب للشيعة سوى كراهية المسلمين والعرب.

تبلغ قيمة ديون العراق اليوم 122.1 مليار دولار في 2015 مقابل 87 مليارا في 2014 كلها نفقات للميليشيات الإجرامية والمشاريع الطائفية والفساد. الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل عن جدوى تنازل الدول العربية عن ديونها للعراق، إذا كانت البلاد ستصبح فريسة للفساد والعنف الطائفي وتغرق مرة أخرى بالديون.

هناك اليوم تعب شيعي واضح. العقيدة نفسها تم استهلاكها سياسيا إلى درجة أنها يبست. السؤال هو في حال اختفت الخطابات الطائفية من شوارع بغداد ماذا ستفعل الدولة الإسلامية؟ إن من علامات وجود إرباك جراء هذا التحول هو صمت الدواعش تماما، وكأنهم غير موجودين في أيّ مكان.

حالة تبدل بالمزاج، العراقيون قد تعبوا من تشيعهم نفسه، فهو يفرض عليهم شخصية غير شخصيتهم الطبيعية. لكأنهم يشعرون برفض للطائفية السياسية وليس لإيران فقط. يريدون دولة مدنية وكهرباء وخدمات ومحاربة الفساد في وقت تغرق فيه بلادهم بالديون والحروب.

الدولة الإسلامية، من جهة أخرى، تعيش مرحلة جدل داخلي مع المجتمع السني ولو بشكل غير معلن. فالسنة يريدون من داعش أن تكون عقابا للميليشيات، إلا أنهم لا يريدون حقا العيش في كنف دولة إرهابية متطرفة ومحاصرة من جميع دول العالم المتحضر، وتدكّها الطائرات الأميركية ليل نهار.

ماذا تستطيع الدولة الإسلامية أن تفعل؟ هل عندها فرصة للبقاء؟ ما هو هدفها؟ ما هي حدودها؟ هل سنفيق على خبر زوال الدواعش من التاريخ؟ أم لعلنا نفيق على خبر سقوط بغداد بيد الدولة الإسلامية؟ وماذا تعني حالة الترهل العقائدي الشيعي في العراق؟

هل ستنهار داعش مع المشروع الصفوي وبشار الأسد وتختفي من المشهد؟ أم أنها ستفاجئ التاريخ بشيء غامض وجديد؟ لا بد من الانتظار فالتبدلات كبيرة وسريعة، والتحولات عنيفة في المنطقة.

الخلاف في البيت الشيعي اليوم بسبب وجود الدواعش. فهم أكثر تطرفا وفتوّة واستعدادا للتضحية، وأناشيدهم أقوى وأكثر فصاحة، والدولة العراقية القديمة انتهت، فأين هو المشروع الشيعي المزعوم؟ أليسوا يتوسلون بالأميركان لحمايتهم؟

هذا هو موت الأسطورة الإيرانية، وقطع رأسها وحمله على الرماح من الكوفة إلى قصر الخلافة، فكلما ضغط الدواعش باتجاه الدين والتطرف والعنف يصبح أمام الشيعة خياران لا ثالث لهما؛ إما المواجهة بتطرف طائفي إجرامي وتضحية لا يمتلكونها، أو اللجوء الى الخطاب الغربي العلماني في نقد الإرهاب. وفي الحالتين سينتهي المشروع الإيراني السياسي.

لا توجد حماسة صفوية كالسابق بل مجرد اكتئاب شامل. يبدو المراجع أنفسهم كما لو أنهم يفكرون بالانتحار أو في حاجة ماسة إلى دواعش يجتاحون حوزاتهم ويريحونهم من هذا الضجر والعذاب. ضجر البكاء على الحسين والفرار الدائم من الدواعش. هكذا تنتهي الأساطير الإجرامية العنيفة أحيانا باستنهاضها لأساطير مضادة أقوى منها وأعنف.

السيد العبادي نفسه الذي كان يدعم الحشد الشعبي الطائفي قبل أسابيع فقط، نراه مقتنعا اليوم بأن هزيمة الدولة الإسلامية أمر مستحيل على يد المزارعين القادمين من جنوب العراق. لهذا يتفرغ للمظاهرات ومحاربة الفساد على أمل استرضاء المجتمع السني العراقي. وفعلا بدأنا نسمع عن 8 آلاف من أهالي الأنبار يلتحقون بمعسكرات التطوع لمقاتلة الدولة الإسلامية عقب فشل القوات العراقية والميليشيات الشيعية في تحقيق النصر.

لقد تم إعطاء الهاشميين أكبر من حجمهم في التاريخ العربي المعاصر لغرض تحقيق نقلة في الهوية العربية من إسلامية إلى قومية، وأثناء ذلك أهملنا جذرا مهما آخر تشكل، هو التفسير والتأصيل للدولة الإسلامية وما يحدث اليوم

مع هذا يجب ألا نفرط بالتفاؤل، فبالأمس القريب فقط تم طرد أهل الأنبار من بغداد وليس لهم الحق في دخول العاصمة إلا بنظام الكفيل. ولا يمكن لهذه التظاهرات الشكلية بغطاء السيستاني أن تغير وجهة نظر الشعب السني بعد كل تلك القتول والمظالم منذ الاحتلال. الاستجابة إيجابية عموما إلا أنها حذرة وشكاكة.

السنّة مرتاحون ولا شك لما يجري من تبدل بالخطاب والمزاج، الا أنهم يخشون لو ذهب الدواعش يعود الشيعة لشعارات المهدي، والثأر، والحسين، والزيارات المليونية، والثياب السود، ولبس الأكفان، والاستعراضات العسكرية في بغداد.

فإذا كنتم تريدون الثأر من النواصب حقاً فهم عندكم اليوم بالموصل والأنبار، قاتلوهم وأشبعوا هذه الرغبة، فليس من المعقول أن تطلبوا الثأر بعد رحيلهم من سنّة الأعظمية المسالمين المساكين. فبالرغم من جرائمهم وإرهابهم يبدو الدواعش الإرهابيون أنسب طرف للمحاصصة مع الميليشيات الشيعية المجرمة، فهم أفظع مَن رقص بالسيف في ما بين النهرين منذ الفتوحات الإسلامية.

ما يثير اهتمامي في الدواعش ليس الدين، فما هو الدين؟ رجل معتكف بالمسجد مثلا، وقد يكون صاحب مشاكل عقلية يخفيها بهذه اللحية والورع والنصوص المقدسة.

الدواعش قضية أخرى، إنهم يأخذون الموصل والرقة والرمادي، يمتلكون مدنا موجودة على الأرض، يصكون عملة ذهبية حقيقية، يصعدون حافلات مفخخة ويفجرونها بأنفسهم، يعلنون رفضهم للحدود التي وضعها سادة العالم بين الدول.

كل هذا غريب حقا وله وجود بالواقع، أما الدين والإلحاد فهما مجرد جدل في قاعة فلسفة بالجامعة البريطانية، لا يثيران العقل والحواس كالذي يحدث في العراق. فالصراع هو صراع مادي واضح، المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني يمتلك مفاتيح بغداد ويدخل في مواجهة مع الخليفة البغدادي الذي يمتلك مفاتيح الموصل.

داعش اليوم غامضة لأن جزءا من تاريخنا القريب مخفي ومسكوت عنه، فقد اتفقت جهات كثيرة على دفن ما جرى في بداية القرن العشرين، لهذا لا يمكن فهم الدولة الإسلامية إذا كنا نجهل تاريخها ونشأتها الحقيقية. الخطأ هو لأننا نبدأ من الأشراف الهاشميين وثورتهم على العثمانيين بما يتفق مع ميولنا القومية والوطنية.

لقد تمّ إعطاء الهاشميين أكبر من حجمهم في التاريخ العربي المعاصر لغرض تحقيق نقلة في الهوية العربية من إسلامية إلى قومية، وأثناء ذلك أهملنا جذرا مهما آخر تشكل بالطبيعة بعيدا عن عيون الاستعمار، هو التفسير والتأصيل للدولة الإسلامية وما يحدث اليوم.

وبصراحة لا بد من العودة إلى توحيد الجزيرة العربية. كيف وحد ابن سعود نجد بجبل شمر وحائل وعسير والجوف والأحساء والحجاز وجدة؟ ما هي الهجر؟ مَن هم الإخوان السعوديون (إخوان مَن أطاع الله)؟ كيف استطاع ابن سعود توطين البدو وبناء محميات تعمل كالحاميات الرومانية البعيدة، تلك التي كانت تتمتع بنوع من الاكتفاء الذاتي والعمل.

يحاول الدواعش استلهام تجربة خاضتها أهمّ شخصية عربية في بداية القرن العشرين.

سبق وشرحت في مقال سابق أن التوحيد ليس عقيدة دينية فقط، بل هو ماكنة تاريخية لبناء حلم إمبراطوري، وقد حدث عدة مرات في التاريخ أن لجأ المسلمون إلى شعار التوحيد لبناء الدول، وهو ما يسمونه “على منهاج النبوة” أي بناء الدولة الإسلامية الأولى ضد الشرك والمشركين. فنحن لا نعلم ما إذا كان الهدف في هذه الحالة هو بناء الدولة أم محاربة الشرك.

في الظروف العادية يٰغَلِّبُ المسلمون قيم التسامح والعقلانية، فلا توجد مشكلة على الإطلاق لا في الشرك ولا المشركين، ولا يظهر شعار “التوحيد” المتطرف في التاريخ إلا لغرض سياسي كبير، وعادة ما يكون هدفا إمبراطوريا.

المهم أن البيريسترويكا التي يطلقها السيد حيدر العبادي اليوم هي بلا شك من أعراض وجود الدولة الإسلامية وسيطرتها على مدن كبيرة في البلاد، ويقول عدد كبير من السنة اليوم إنه من المفيد طبخ الميليشيات على نار داعش قبل التخلص من الطرفين.

الشعب الذي فرح عام 2008 بصولة الفرسان التي قام بها رئيس الحكومة حينها السيد نوري المالكي ضد ميليشيات جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر، هو نفسه يفرح اليوم بمحاكمة نوري المالكي الطائفي الدموي، ويصر عليها السيد مقتدى الصدر والنائب حاكم الزاملي (تاجر جثث أهل السنة بالطب العدلي زمن الحرب الأهلية).

والشعب أيضا يرى السيستاني شخصية أميبية لا شكل لها، فهو الذي دعّم المالكي بفتوى الجهاد والحشد الشيعي الإجرامي، وهو الذي يدعم اليوم العبادي بمحاكمة الفاسدين ومنهم المالكي.

وسط هذه التبدّلات الظاهرية والباطنية في البيت الشيعي تبقى داعش الإرهابية الظلامية هي النار التي حققت هذا الغليان في النهاية، ولا بد من إصلاحات حقيقية شاملة قبل إبرام أيّ صفقة كبرى تتعلق بمستقبل الطرف الأكثر حرمانا وعذابا ونعني بهم سنة العراق.

كاتب عراقي

6