"بيزيد" و"إيزيل" و"ركال" أسماء بلا معنى تجتاح المجتمعات

هل ينمو جيل عربي يحمل أسماء تركية لا يفهمها أحد.
السبت 2021/04/17
"لكل امرئ من اسمه نصيب"

لطالما كان العثور على اسم لطفل مستقبلي ممتعا ومفتوحا على جميع المجالات والاحتمالات. تجاوز الناس عصر إعطاء اسم الجد أو الجدة للطفل الأول، وما عادت تكفي الأسماء المستوحاة من الطبيعة أو المجموعات النجمية والكواكب والتاريخ والدين. ونتيجة التصاق البشر بشاشات التلفزيون والهواتف المحمولة، اتجهوا نحو الأسماء الأكثر شهرة على شبكة الإنترنت وفي المسلسلات.

لندن - “أريد اسما مختلفا ونادرا وجميلا” كثيرا ما تجد هذه التدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي لتنهال التعليقات بالغريب وغير المألوف من الأسماء، بعضها منقول من مواقع ومنتديات إلكترونية، وبعضها مأخوذ من أفلام ومسلسلات أجنبية مدبلجة.

وتحمل الأسماء في المجتمعات العربية دلالات اجتماعية ودينية وثقافية وحتى سياسية، ونجدها ذات أثر عند كلّ حقبة زمنية متأثرة بالثقافة السائدة.

ولا تخلو التسميات في المجتمعات العربية من القيود، إذ يخضع الاختيار للأعراف أحيانًا وللقوانين أحيانًا أخرى، وقد يخضع لأوامر السلطة السياسية أو الدينية وهو ما يثير مشكل الهوية وتقييد الحرية في اختيار الأسماء.

ويرى المؤرخ شهاب الدين القلقشندي أن “غالب أسماء العرب منقولة عما يدور في خزانة خيالهم مما يخالطونه ويجاورونه”، فيما يؤكد المؤرخ العراقي جواد علي في كتابه “المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام” أن أسماء العرب “من الموضوعات التي لفتت إليها الأنظار، لما في الكثير منها من غرابة وخروج عن المألوف”.

تبادل تاريخي

تبادلت الحضارة العربية الكثير من الأسماء مع لغات وحضارات أخرى على مر العصور المختلفة، وعُرّبت هذه الأسماء لاحقا وضُمنت في المعاجم. كما تغيرت بعض الأحرف لتناسب الصوتيات المختلفة لكل لغة، وتعوّض نقص الأحرف في بعضها.

وكان الدين والنفوذ السياسي العاملين المتحكمين في هذا التبادل، إذ نُقلت الكثير من الأسماء الفارسية والتركية إلى العربية مع دخول غير الناطقين بها في الإسلام. كذلك نُقلت الأسماء العربية القرآنية إلى هذه الثقافات مع اعتناق مواطنيها الإسلام.

ويمكن القول إن الدين هو الذي دفع الفرس والأتراك إلى تبني أسماء من الثقافة العربية، في حين لعب النفوذ السياسي والثقافي الدور الأكبر في نقل الأسماء من هاتين اللغتين إلى الثقافة العربية.

إذن، فالأسماء ذات الأصول الأجنبية ليست أمرا مستحدثا أو عيبا في حد ذاتها. واللغة العربية زاخرة بأسماء من أصل غير عربي، لعل أبرزها أسماء الأنبياء. إلا أن هذه الأسماء – على عكس الشائع مؤخرا – لها معنى ودلالة.

وتحولت الأسماء الآن إلى “موضة”، وبدأ كثيرون يلجأون إلى استعمال أسماء يجمع بين صفتين: الغرابة، والوقع الموسيقيّ الجيد، وليس شرطًا أن يجدوا لها معنى.

وتتجه القنوات الفضائية العربية منذ تسعينات القرن الماضي إلى شراء مسلسلاتٍ مدبلجة، نظرا لقلة تكاليف الترجمة مقارنة بإنتاج مسلسل بأكمله من الألف إلى الياء. فكانت البداية بالمسلسلات المكسيكية والبرازيلية، لتتبعها المسلسلات التركية المدبلجة باللهجة السورية، ثم الهندية المدبلجة باللهجتين المصرية والخليجية.

وتحتل تركيا اليوم المركز الثاني عالميا في تصدير المسلسلات بعد الولايات المتحدة الأميركية، فيما تتصدر الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط قائمة المستوردين لمسلسلاتها التي تدرّ عليها مئات الملايين من الدولارات.

انتشار أسماء غريبة عن ثقافتنا في العشرية الأخيرة هو نتيجة التأثر بثقافة المسلسلات والأفلام الأجنبية”.

ومع مرور الوقت، وصل تأثير المسلسلات التركية إلى قلب البيوت العربية طابعا عاداتها الموروثة وأسماء ساكنيها التي باتت مستوحاة منها وطغت على الأسماء التقليدية المتوارثة. وانتشرت، على مدى السنوات الأخيرة، ظاهرة إسناد أسماء غير عربية الأصل للمواليد الجدد تأثرًا أحيانًا بالمسلسلات وبالخصوص التركية منها مثل “بيزيد”، و”إيزيل”، و”ركال”، و”تاتيناس”، و”أسيل”.

ويرى خبراء أن “انتشار أسماء غريبة عن ثقافتنا في العشرية الأخيرة هو نتيجة التأثر بثقافة المسلسلات والأفلام الأجنبية”.

وسبق أن أثارت بلدية بنزرت (شمال تونس) الجدل بعد رفض تسجيل أسماء في سجل الولادات منها “لامار” و”أفلان” و”نيران” و”أيلا” و”يانين” باعتبارها أسماء غير عربية.

لكن الأمر لم يطل إذ احتفى تونسيون يوليو الماضي بإلغاء منشور قديم يمنع إطلاق الأسماء غير العربية على المواليد الجدد.

وأصدرت وزارة الشؤون المحلية منشورا موجها إلى البلديات لإنهاء العمل بمنشور سابق صدر في ستينات القرن الماضي يمنع إطلاق الأسماء غير العربية على حديثي الولادة. اعتبر المنشور الجديد أن التوجيهات السابقة لـ”العاملين في مجال تسجيل الولادات بالبلديات قد تضمنت بعض التحجيرات التي أصبحت تعتبر اليوم نوعا من التقييد لحرية اختيار الوالدين لأسماء المواليد الجدد عند ترسيمهم بدفاتر الولادات”.

وبرّر وزير الشؤون المحلية السابق لطفي زيتون، القرار الجديد “بتطور الإطار القانوني للحريات في تونس خاصة بعد صدور دستور 26 يناير 2014، ومصادقة تونس على الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بمجال الحريات وحقوق الإنسان وحقوق الطفل”.

وطالبت الوزارة رؤساء البلديات بالتقيد بما ورد في الدستور والقوانين الجاري بها العمل.

 ويمنع المنشور القديم الصادر عام 1965 “إسناد الأسماء غير العربية للمواليد الجدد، ويحجر إسناد اللقب كاسم، أو إسناد ألقاب الزعماء أو أسمائهم وألقابهم في آن واحد، أو تسمية المواليد الجدد بأسماء مستهجنة أو منافية للأخلاق”.

يذكر أن تحجير إسناد الأسماء غير العربية على المواليد الجدد، جاء في سياق “نزعة تعريب” التي انتهجها نظام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة في فترة من فترات حكمه. وتوجد في المجتمع التونسي مكونات أخرى غير عربية على غرار الأمازيغ واليهود من حقهم تسمية أبنائهم بالأسماء التي يختارونها.

وتنص بعض مواد القوانين في بعض الدول العربية على ضرورة أن تكون الأسماء المختارة للمواليد الجدد أسماء متداولة ضمن المجتمع، أو في حالة ما إذا لم تكن متداولة أو معروفة فيجب أن يكون لها معنى في المعجم العربي، أو تكون لها دلالة آو معنى تاريخي أو عِرقي مرتبط بالمكونات الاجتماعية في الدولة المعنية، وإلا وجب خضوعها للتدقيق اللغوي.

وبات بعض الآباء والأمهات يتمسكون بإطلاق اسم ما على مولودهم لمجرد استحسانه واستساغة موسيقاه غير آبهين بالقوانين أو الثقافات، ما يدفعهم في بعض الأحيان إلى الدخول في صراع مع المصالح والدوائر الرسمية، أو حتى مع بعض أفراد العائلة كالجد أو الجدة البعيديْن كل البعد عن المستجدات الثقافية هذه.

وتلصق هذه الأسماء الغريبة للغات غير العربية، وما هي إلا أحد أوجه الميل إلى الأجنبي (أو ما يبدو كذلك)، تماما كالميل إلى الذوق الأجنبي في الطعام والشراب والملبس.

أسماء غريبة

Thumbnail

“قيل إن لكل امرئ من اسمه نصيب” فإذا صح هذا التعبير ما هو نصيب من كان اسمه “بخيتة” أو “تفاحة” وغيرها من الأسماء الغريبة والشاذة التي يطلقها الآباء على أبنائهم وتلتصق بهم طوال العمر. وتكون هذه الأسماء محل سخرية أحياناً واستغراب وتحقير أحياناً أخرى. ربما يكون الجهل هو السبب لكن يبقى الاسم الغريب في كل الأحوال عبئاً على صاحبه، فيصبر عليه إلى أن تحين الفرصة لتبديله وقد يحتاج الأمر إجراءات طويلة ومعقدة.

وشهدت المحاكم المصرية في السنوات الأخيرة مثلا ظاهرة وهي دعاوى خاصة بتغيير الأسماء الغريبة والشاذة التي تعرض أصحابها عادة إلى مواقف طريفة وسخيفة.

وفي السعودية، اضطر 150 مواطنًا ومواطنة في شهرين فقط عام 2015 إلى تغيير أسمائهم، حيث صدرت موافقة الأحوال المدنية على تغيير الأسماء للمتقدمين والمتقدمات بعد استكمال الإجراءات النظامية. وتسببت الأسماء الغريبة في تقدم هؤلاء المواطنين والمواطنات بتغييرها، إذ تحوّلوا إلى مادة للتندر من قبل غيرهم. وكان من ضمن المتقدمين والمتقدمات كبار في السن اضطروا إلى التغيير بعد هذه السنوات الطويلة تلبية لرغبات أبنائهم وبناتهم.

ومن أغرب الأسماء التي تمّت الموافقة على تغييرها “معزي” “مدهشة”، “زريفة”، “جرادة”،”مطرة”، “مشل”، “زعام”، “سفرة”، “داحم”، “جويخة”، “غرامة”، “زنيفر”، “غرسة”، “زامل”، “شالح”، “خزام”، “أملاك”، “معتق”، “رهبة”، “حمساء”، “عمشاء”، “طينان”، “عيش”.

وفي تونس، ينشر الرائد الرسمي كل سنة أو سنتين قائمة بالأشخاص الذين غيّروا أسماءهم، وفي 2 فبراير 2017، تمت الموافقة على تغيير 309 اسم. وكان قد صدر أمر بتاريخ 4 يوليو 2012 سمح بتغيير 633 اسمًا، وكذلك أمر شبيه بتاريخ 3 أكتوبر 2014 سمح بتغيير أسماء 517 شخصًا، وبعدها جاء أمر بتاريخ 25 مارس 2016 لتغيير أسماء465 تونسيًا.

وفي الجزائر، تفضل الكثير من العائلات تخليد ذكرى أحد الأموات من العائلة أو الأقارب بإعطاء اسمه على أول مولود جديد يأتي بعد الوفاة، وهذا ما بات يسبب حرجا كبيرا لدى الأطفال عند التحاقهم بالمدارس. لدرجة أن بعضهم أصيب بعقد نفسية بسبب الاسم، وهذا ما حدث لطفلة سميت “مسعودة” تخليدا لذكرى خالتها، وبات هذا الاسم محل سخرية من طرف زملائها بالدراسة لدرجة أنها امتنعت عن الذهاب للمدرسة، وطلبت من أمها تغيير اسمها.

وحول تفسير علم الاجتماع لظاهرة الأسماء الغريبة والظروف المرتبطة بها ومبرراتها تقول أستاذة علم الاجتماع في جامعة القاهرة أميمة عبدالحميد إن موضوع الأسماء الغريبة كان ينتشر في السابق أكثر من الآن نتيجة تخلف المجتمع وضعف الثقافة ونتيجة الاعتقاد السائد أن الأسماء الغريبة يمكن أن تحمي الأبناء من الموت خصوصاً أن نسبة الوفيات كانت تسجل ارتفاعاً متزايداً، فتكون النتيجة عبئاً على الأبناء الذين يعانون طوال حياتهم من الكآبة ويضطرون إلى محاولة تغييرها حين يكبرون.

أسماء لأجل أوروبا

المجتمع التونسي يحتوي الأمازيغ واليهود ومن حقهم تسمية أبنائهم بالأسماء التي يختارونها
المجتمع التونسي يحتوي الأمازيغ واليهود ومن حقهم تسمية أبنائهم بالأسماء التي يختارونها

تشير رئيسة قسم الاجتماع في جامعة عين شمس سامية الساعاتي إلى أن “معظم الآباء لا يفطنون إلى خطورة بشاعة الاسم وبرفضه قد يدفع الشخص إلى الانعزال عن المجتمع وإلى الخوف من عدم قبوله من الآخرين لاسيما في حالات التقدم إلى وظيفة معينة”.

ومن جانب آخر باتت الكثير من العائلات العربية خاصة تلك المهاجرة تفكر في مستقبل الطفل قبل أن يولد، وذلك باختيار الأسماء التي لا تفضح الهوية العربية الإسلامية للطفل في أوروبا، خاصة في ظل ما يعيشه المسلمون من تضييق للخناق عليهم في العديد من البلدان الغربية.

وفي الجزائر مثلا، عرفت أسماء المواليد الجدد في البلاد تغييرا جذريا بعد أحداث 11 سبتمر 2001، أين بات اسم “أسامة” و”محمد” و”إسلام” من أكثر الأسماء التي تجذب لأصحابها المشاكل في الولايات المتحدة وأوروبا، مما دفع الكثير من العائلات إلى التفكير في أسماء غربية لأبنائها لحمايتهم في المستقبل من التمييز في المجتمعات الأوروبية إذا ما كتب لهم السفر أو العيش في أحد بلدانها، ومن بين أكثر الأسماء الجديدة تداولا في مصالح الحالة المدنية والتي تميل إلى الأسماء الغربية أسماء مثل “تيديا”، “ليسيا”، “روزا”، “مانيلا”، “لوريا”، “سيرين”، “فلورا”. هذا بالنسبة للإناث، وبالنسبة إلى الذكور نجد كل من “راني”، “تاني”، “رسيم”.

20