بيع الحرام.. للكفار!

الخميس 2016/01/14

لم أكن قد علمتُ بالتحاقه بصفوف السلفية الجهادية عندما جاء عندي إلى بيتي حاملا معه ما يناهز عشرين رواية من روايات الكاتب السّعودي عبدالرحمان منيف، ضمنها خماسية مدن الملح. كان يريدني أن أشتريها منه بأي ثمن.

كنا في مقتبل العمر، أنا في الثالثة والعشرين وهو يصغرني قليلا، وقد بدا لي سخيا، في منتهى السخاء، إلى درجة أنه تركني أحدد بنفسي السعر الإجمالي بلا أدنى مناقشة. في الحقيقة لم أفهم وقتها بأن الأمر أبعد ما يكون عن السخاء؛ فقد كان الولد يعتقد بأنه لا يبيعني سوى حصته من جمر الجحيم. قلت له: كيف سخيت نفسك بهذا الإرث الأدبي لكاتب سعودي كبير؟ أجابني: ما عند الله أبقى، وإذا شئت يمكنك مرافقتي إلى البيت لاقتناء ما تريده من مجلات وروايات، سأتركك تحدد السعر الإجمالي بنفسك، لن أشترط عليك شيئا على الإطلاق.

هكذا، بفضل “توبة” صاحبنا أغنيتُ خزانتي بالعشرات من الكتب “الكفرية” وبثمن زهيد حددت قيمته بنفسي ودفعته له على أقساط لم أكملها في الأخير طالما أن صاحبنا اختفى فجأة أو توارى على حين غرة أو هاجر إلى أرض الله الواسعة فانقطعت أخباره.

تساءلت: لماذا تركني أحدد الثمن بنفسي وبلا نقاش؟ لماذا منحني التفويض المطلق لكي أحدد السعر والأقساط والدفعات؟ كيف سولت له نفسه أن يبيع كتبا يراها ضدّ الدين؟ أليس بيع الحرام حراما؟

بعدها نسيت أو تناسيت هذه الأسئلة جملة وتفصيلا، نسيتها زمنا طويلا قبل أن أستذكرها مؤخرا حين اطلعت على بعض التقارير حول تهريب داعش للآثار “الوثنية” على الحدود التركية وبيعها بوساطة مختلف المافيات وسماسرة التهريب. لاحظت في أحد التقارير أنهم بقدر ما يحرصون على تحديد أسعار النفط والسبايا وغير ذلك من الغنائم والمغانم فإنهم يفضلون ترك أسعار الآثار للمافيات نفسها. إنه نوع من التحايل على النفس أثناء بيع “الحرام”: لسنا نبيع الأشياء الحرام بالمعنى التام لكلمة البيع لكننا فقط نتخلص منها مقابل أتعابنا، ثم إننا سنجعل الأرباح في خدمة الإسلام، أي في خدمة من يخدمون الإسلام!

قبل بضعة أشهر زرت مدينة صغيرة تقع بأقصى شمال المغرب وتعاني من مشاكل التهريب، فأخبرني بعض الأصدقاء عن وجود ملتحين متخصصين في تهريب البضائع من المناطق الأسبانية إلى داخل المغرب. المشكلة عند هؤلاء لا تتوقف عند حدود التهريب، وإنما تبلغ مستوى تهريب المواد منتهية الصلاحية، ما يهدد الصحة العمومية. والسؤال، هل مثل هذا الضرر الكبير قابل للتبرير؟ لا أستبعد أن يكون الجواب هو نعم.

قال لي محاوري يوما: الجميع يمارس الكذب، الجميع يمارس الاحتيال، الجميع يمارس الغش، فلا داعي لتركيز النقد على جهة بعينها. قلت له: لكن الأسوأ من هؤلاء من يبررون كل ذلك باسم الدين.

24