بيع الشاي في الخرطوم مهنة محظورة على الرجال

هن كادحات أجبرتهن ظروف الحياة على الخروج إلى الشارع والبحث عن لقمة عيش لأطفالهن، فاخترن بيع الشاي والقهوة، المهنة التي تدر عليهن القليل لكنهن واظبن عليها حتى يغطين مصاريف دراسة الأطفال ومستلزمات الحياة غير آبهات بالمصاعب والضغوط التي تعترضهن كل يوم.
الاثنين 2016/02/01
التكسب من عمل شريف

الخرطوم – أعلن معتمد محلية الخرطوم، إيقاف حملات ملاحقة ستات الشاي، والباعة المتجولين في المدينة باستثناء الشوارع الرئيسية، وكشف عن شروع البلدية في وضع حلول لتمليك الباعة المتجولين أكشاكا ودكاكين.

وتنتشر في السودان ظاهرة ما يعرف بــ”ستّات الشاي”، وهن سيدات يبعن المشروبات الساخنة كالشاي والقهوة على قارعة الطريق.

وقد أصبحت هذه الظاهرة من المعالم المميزة في البلاد، تمتهنها النساء والفتيات الفقيرات بكثرة لكسب لقمة العيش، على الرغم من مساعي السلطات للحد منها.

وقبل سنوات كان مجال “بيع الشاي” لا يعمل فيه إلا النساء اللاتي تجاوزن سن الأربعين، ولكن المهنة في الآونة الأخيرة أصبحت جاذبة للكثير من الفتيات الشابات الفقيرات اللاتي لم يحصلن على تعليم كاف، وبعض من خريجات الجامعات.

وتوجد السيدات في الحدائق العامة والشوارع المكتظة، ويتحلق الأصحاب والأقارب حول “ست الشاي”، إذ يجلس الزبائن على مقاعد صغيرة وتوضع الأكواب أمامهم، يحتسون ما لذ وطاب من المشروبات الساخنة كالشاي والقهوة والكركدي والحلبة، وأحيانا العصائر الباردة. ولمهنة “ست الشاي” طقوس وعادات متعارف عليها يقمن بها اللاتي يعملن فيها تجاه زبائنهن.

قبل سنوات كان مجال بيع الشاي لا يعمل فيه إلا النساء اللاتي تجاوزن سن الأربعين، ولكن المهنة في الآونة الأخيرة أصبحت جاذبة للكثير من الفتيات الشابات
ومن بين تلك الطقوس تزيين المكان وتعطيره بـالبخور حتى يكون جاذبا للزبائن، إضافة إلى وضع المقاعد في شكل دائري، فمعظم الزبائن الذين يأتون إلى تناول الشاي أو فنجان من القهوة هم من فئة الشباب والطلاب إلى جانب الموظفين الذين يعملون في القطاعين الحكومي والخاص، فهم لا يعتبرون جلوسهم عند “ست الشاي” من أجل تناول كوب من الشاي أو القهوة فقط، وإنما يأتون دائما إلى مواقع “بيع الشاي” لمناقشة أمر ما مع بعضهم البعض يتعلق بالعمل أو غيره من القضايا الاجتماعية.

وكشفت دراسة أعدتها وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم عن وجود ما يقارب ثلاثة عشر ألفا من بائعات الشاي في الخرطوم وحدها، 441 منهن يحملن مؤهلا جامعيا.

وتروي حليمة وهي في الخامسة والأربعين من عمرها تفاصيل قصة دخولها إلى مهنة الشاي، حيث قالت إن الشيء الذي أجبرها على العمل هو تربية أبنائها لأن زوجها أختفى ولم يظهر منذ سنوات، وهمها الوحيد هو أن يكمل أبناؤها دراستهم وينالون شهادات جامعية تمكنهم من الحصول على وظائف تنسيهم فقرهم ويعوضون لها شقاءها.

المهارة ضرورية

ولدى سؤالها عن زوجها تكتفي بالقول تركني ورحل، وهي تواصل سكب الشاي لزبائنها الذين كانوا جميعهم من الرجال، وقد تحلقوا حولها على مقاعد صغيرة في ظل شجرة نيم وهي شجرة وارفة تكثر في شوارع الخرطوم.

وليست إعالة الأطفال وحدها ما يدفع النساء إلى العمل، بل إن سلوى طالبة الثانوية البالغة من العمر 18 عاما، تبيع الشاي والقهوة على الرصيف كل يوم جمعة للحصول على بعض المال الإضافي.

واعتبرت آمال خريجة جامعية منذ سنوات عملها نوعا من تعبئة الفراغ حتى لا تشعر بالملل، لأنها لم تحصل على وظيفة بشهادتها الجامعية، وتشير إلى أن الكثير من الفتيات الخريجات يعملن في هذه المهنة ولكن بعضهن لم يستمررن فيها بسبب الزواج أو لحصولهن على وظيفة أفضل من بيع الشاي.

ولتقديم المشروبات فن خاص، إذ تسعى كل سيدة إلى التميز في طريقة تقديمها الشاي والقهوة، وقد يتراوح التميز بين الأكواب المزينة والمقاعد والموائد المزركشة لجذب المارة، فيما تقدم بعضهن الماء المثلج للزبائن قبل المشروبات.

حواء ذات الـ16 عاما اضطرت إلى توديع مقاعد الدراسة لتعمل من أجل تأمين عيش بقية إخوتها بعد أن توفي والدها وترك لها ثلاثة إخوة في عمر الدراسة فاظطرت إلى بيع الشاي لتأمين مستلزمات إخوتها الأولاد.

أما سعاد البالغة من العمر 21 عاما فقد تعرفت على الرصيف، حيث تبيع الشاي والقهوة منذ ثلاث سنوات، على زوجها الذي يعمل موظفا في المطار قبل سنة وأنجبت منه ولدا، وواصلت عملها لتساعد في مصاريف البيت.

ترى ست الشاي باسمة، أن نظرة المجتمع إلى مهنتها في تطور إيجابي بالرغم من معارضة القانون والعادات لها، فالرجل كان يعتقد في أواخر القرن الماضي أن فكرة جلوس رجال لا تربطهم صلات قرابة بست الشاي حولها، وهم يحتسون المشروبات الساخنة، أمر غير لائق. ومع مرور الوقت وتبدّل الأحوال الاقتصادية وخروج المرأة للعمل في جميع المجالات، تغيرت النظرة العامة. وقد نشرت وسائل الإعلام السودانية قصص الكثير من الأطباء والمهندسين والضباط الذين يتفاخرون بأنهم أبناء ستات شاي.

20