بيع الوهم للعراقيين: إجراءات أمنية متأخرة بحكومة فاشلة

انكشف أمر العبادي وحكومته بشكل أكثر وضوحا بهجوم الكرادة الأخير الذي هز الداخل العراقي وخارجه بحملات واسعة من التضامن وبيانات التنديد بالإرهاب. فقد عرت هذه الحادثة أمام العراقيين الرابط بين فساد الحكومة والذي أكدته المواقف الدولية المتخوفة من مساعدة العراق ماليا وبين ضعف الأداء الأمني، ليتضافر العاملان ضد حياة وكرامة العراقيين.
الثلاثاء 2016/07/05
العراق يبكي أمنه وثروته بسبب العبادي

بغداد – 85 مليون دولار كانت ثمن استيراد السلطات العراقية لقطع إلكترونية لكشف المتفجرات من بريطانيا، لكن ظهرت تلك الآلات في الأخير مزيفة، الأمر الذي تسبب في تسرب عناصر إرهابية من داعش إلى منطقة الكرادة في بغداد وتنفيذ تفجير دموي أدى إلى سقوط 213 قتيلا وجرح 300 آخرين.

رغم إصدار العبادي جملة من القرارات لتشديد الإجراءات الأمنية وإلغاء العمل بآلات كشف المتفجرات المزيفة والتي كلفت المجموعة العراقية الكثير من الأموال، إلا أن الأمر قد بدى للعراقيين أنه إجراء متأخر ومتشنج وليس سوى ردة فعل لإيجاد مسكنات للعراقيين الغاضبين من سياسة الحكومة الحالية التي يتكامل فيها الفساد مع الإرهاب.

وتؤكد جل التقارير على أن إدارة الحكومة الحالية للأزمات العميقة التي يعيشها العراقيون تعد إشكالا في حد ذاتها يزيد من توسيع دائرة المأساة، نظرا لما يطبع تعاطي هذه الحكومة مع الواقع العراقي المعقد من طائفية وولاء لإيران وفساد وردود أفعال متشنجة واضطراب في الانتشار الأمني.

طرد العبادي

يعلم العراقيون جيدا ومن مختلف الطوائف أن الحكومة التي يقودها حيدر العبادي لا يمكن لها أن ترسم أفقا مغايرا للواقع الذي تعيشه البلاد، فالأمر أصبح واضحا بأن السلطة غير قادرة على القيام بأهم وأكثر الوظائف بديهية لأي دولة وهي حفظ أمن مواطنيها. وهذا ما برر طرد العبادي من منطقة الكرادة التي وقع فيها التفجير الذي تسبب في قتل وجرح المئات الأحد.

فقد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي عدة مقاطع مصورة تظهر غضب أهالي منطقة الكرادة في بغداد من رئيس الوزراء العراقي بعد التفجيرات، حيث رشق مواطنون موكب العبادي بالأحذية والعصي مع وابل من الشتائم، مما جعله يغادر المنطقة، وأكد مواطنون أن الانفلات الأمني الذي يجري في بغداد تتحمل مسؤوليته حكومة العبادي ووزارة الداخلية. وصبّ أهالي المنطقة جام غضبهم في وجه العبادي، وحملوه المسؤولية الكاملة عن الانفجار الذي ضرب وسط بغداد قرب المنطقة الخضراء، رغم كل الإجراءات الأمنية المشددة ونقاط التفتيش.

لا توجد إجراءات وقائية في سياسة العبادي بقدر ما تتسم إدارته بردود الفعل وملاحقة الحدث عوض استباقه

ولا تزال أحداث اعتصام المنطقة الخضراء الذي قاده الزعيم الشيعي مقتدى الصدر مؤثرة في الشارع السياسي العراقي خاصة أن المظاهرات والاحتجاجات التي قادها الأهالي كانت تركز على جرائم الفساد التي تتعلق بوزراء العبادي وبشخصه، وقد عبرت عن سخط عارم ضد إدارة الحكومة المركزية وعدم قدرتها على توفير الخدمات الرئيسية كالكهرباء والماء الصالح للشرب والأمن، كما أشارت الاحتجاجات إلى تفشي الرشوة والمحسوبية والفساد في الهيكل الإداري للبلاد، وكل ذلك كان متوازيا مع تسرب الخلايا الإرهابية في أكثر من مكان.

وتفاعل مغردون عبر مواقع التواصل الاجتماعي عبر وسم “تفجير الكرادة”، وتساءلوا عن كيفية دخول السيارات المفخخة إلى العاصمة العراقية بغداد بعد سيطرة القوات العراقية على مدينة الفلوجة التي كانت تأتي منها السيارات المفخخة لتنظيم الدولة، بحسب وصفهم. وشاركت في الوسم أكثر من عشرة آلاف تغريدة، خلال عدة ساعات من انطلاقه، وتجاوز عدد القتلى في التفجير 130 شخصا، وأكثر من مئتي جريح، مع توقعات بزيادة عدد القتلى، وكان تنظيم الدولة تبنى العملية.

وتقول إحدى التدوينات على موقع تويتر من أحد المواطنين “الحجارة التي قذفها ذوي ضحايا تفجير الكرادة على رأس العبادي ضرورية لتذكير حزب الدعوة والمجلس الأعلى والصدريين بأن فسادهم وصراعهم هو من يقتلنا”، وتغرد أخرى “طرد العبادي أو إهانته غير كاف لتغيير الحال من يستحق الطرد من قدسية عقولكم من يضع نفسه في محراب الكهنة ويحمي الحكومة من غضبكم”.

قرارات متأخرة

أصدر العبادي حزمة من القرارات على خلفية التفجير الانتحاري في منطقة الكرادة وسط بغداد، ومن أبرز تلك القرارات سحب جميع أجهزة كشف المتفجرات من الحواجز الأمنية في بغداد والمحافظات وفتح تحقيق بصفات الفساد التي رافقت استيرادها. وجهاز كشف المتفجرات المستعمل حاليا هو جهاز يستعمل يدويا، قامت شركة بريطانية بتصنيعه وأنفق العراق نحو 85 مليون دولار لاستيراد المئات من القطع منه، لكن تبين في ما بعد أنه يعمل بكفاءة أقل من المنتظرة منه، بحسب تصريحات لمسؤولين عراقيين.

سرحان أحمد: الدول المانحة تخشى أن تتعرض المنح المالية للضياع بسبب الفساد المالي

ونقل التلفزيون الرسمي العراقي بيانا عن مكتب رئيس الوزراء، قال فيه إن العبادي أصدر أوامر لتعزيز الأمن في العاصمة بغداد والمحافظات أبرزها إلزام جميع الأجهزة الامنية بسحب أجهزة كشف المتفجرات من النقاط الأمنية، وأضاف البيان “تقوم وزارة الداخلية بإعادة فتح التحقيق في صفقات الفساد لهذه الأجهزة وملاحقة جميع الجهات التي ساهمت فيها، وتكليف الداخلية بالإسراع بنصب أجهزة ‘رابسكان’ لكشف العربات على جميع مداخل بغداد”.

لكن مراقبين أكدوا أن مثل هذه الإجراءات تتطابق تماما مع الوعود التي لم ينفذها العبادي في ما يتعلق بمكافحة الفساد وتطهير الإدارة العراقية من العناصر التي تعمل ضد ضبط الأمن والخدمات للمواطنين. فالسمة الرئيسية لما يقوم به العبادي هو التأخير، إذ لا توجد إجراءات وقائية بقدر ما تتسم سياسته بردود الفعل وملاحقة الحدث عوض استباقه، وهذا ما يبرر قراره المتشنج بإعدام المدانين في قضايا إرهابية بشكل فوري كشكل من أشكال الانتقام، لكن ذلك لن يمثل حلا للعراق كدولة وشعب ولن يقضي على الإرهاب، فهو إجراء ليس له معنى.

ووفقا للبيان فإن العبادي قرر “منع استخدام جهاز الهاتف النقال من قبل الأجهزة الأمنية عند الحواجز وتقوم الأجهزة الرقابية بمتابعة ذلك، وتكليف قيادة عمليات بغداد بالإسراع في استكمال وإنجاز حزام بغداد الأمني بالاستفادة من إمكانات وزارة الدفاع والوزارات الأخرى وأمانة ومحافظة بغداد”. وقرر العبادي تكليف “قيادة عمليات بغداد وقيادات العمليات الأخرى والقوات الأمنية بإعادة تنظيم السيطرات والحواجز الأمنية بما يخفف على المواطنين والاستعانة بقوات ردع مسنودة بجهد استخباري”.

وقال المحلل السياسي العراقي عبدالعزيز العيساوي في هذا السياق، إن جل الإجراءات التي اتخذها حيدر العبادي “من المفروض أن تكون جزءا من العمل اليومي الأمني الروتيني، إذ لا يعقل مثلا أن يأخذ العبادي قرار منع رجال الأمن من استعمال الهاتف الجوال أثناء عملهم ردا على عملية الكرادة التي خلفت المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى”.

تردد أممي

بسبب المخاوف من أعمال فساد يمكن أن تضر عملية إعادة اعمار المدن التي تمت استعادتها من تنظيم داعش الإرهابي، تتسم سياسة الأمم المتحدة مع العراق في هذا الإطار بالتردد، ولا يخفي مسؤولون أمميون خوفهم من أن يكون مصير الأموال المقدمة لصالح أغراض خاصة. فقد دعت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) قادة البلاد إلى “تسوية خلافاتهم الداخلية”، قبل انعقاد مؤتمر المانحين، المزمع عقده بواشنطن في 20 يوليو الجاري، والمخصص لدعم اعمار المناطق المحررة من تنظيم الدولة الإسلامية. وقد جاء ذلك على لسان يان كوبيتش الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق.

وقد أقر مسؤولون عراقيون أن سبب تردد المساعدات الخارجية المالية هو أن الحكومة الحالية أصبحت معروفة بفسادها، فقد توقع سرحان أحمد عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي عزوف بعض الدول المانحة عن دعم العراق ماليا لخشيتها من تعرض هذه الأموال للضياع بسبب الفساد المالي. وقال أحمد “الدول المانحة تخشى أن تتعرض المنح المالية للضياع بسبب الفساد المالي، خاصة في ظل صعوبة فرض رقابة على آلية إنفاق هذه المنح بمشاريع الإعمار”.

التردد الأممي في إقرار المساعدات، ليس في معزل عن خيبة أمل دولية في أن تتكفل الحكومة الحالية بمهمة حماية الأمن العراقي ومواصلة الحرب على الإرهاب وبعث رسائل طمأنة داخليا وخارجيا لتحسين الوضع العام.

6