بيع متحف الصحافة في واشنطن تذكير مؤلم بتغيرات صناعة الإعلام

متحف الصحافة المخصص لتاريخ وسائل الإعلام والصحافة في واشنطن يعرف بدوره الكبير في دعم حرية الإعلام والديمقراطية، وقد اتخذ قرار البيع بعد مراجعة الوضع المالي للمتحف.
الخميس 2019/04/25
رموز صحافية تاريخية

يمثل متحف الصحافة في العاصمة الأميركية واشنطن أحد رموز حرية الصحافة والتعبير، لكن مستقبله بمحتوياته التاريخية بات على المحك كحال العديد من المؤسسات الإعلامية بعد قرار بيعه.

واشنطن- يواجه أول متحف مخصص للصحافة في العالم مصيرا مجهولا بعد بيعه بصورة مفاجئة لإحدى الجامعات، إثر معاناته من صعوبات مالية كبيرة على غرار ما تواجهه الصناعة التي يمثلها.

ويعرف متحف الصحافة “Newseum” المخصص لتاريخ وسائل الإعلام والصحافة في العاصمة الأميركية واشنطن، بدوره الكبير في دعم حرية الإعلام والديمقراطية، وقد اتخذ قرار البيع بعد مراجعة الوضع المالي للمتحف، بما في ذلك “تكاليف التشغيل غير المستدامة” التي حسمت القرار بأن بيع المنشآت كان “أفضل طريق للمضي قدمًا”، وفقًا للبيان الصحافي الصادر عن متحف الصحافة.

وأعلن منتدى الحرية -أكبر جهة مساهمة في المتحف في يناير الماضي- بصورة مفاجئة عن بيع المقر مقابل 372 مليون دولار ونصف المليون، لإحدى الجامعات.

يوجد بالقرب من البوابة الرئيسية لمتحف الصحافة قسم خاص لسور برلين، الذي كان يقسم ألمانيا إلى نصفين، وانهار عام 1989. وهو جزء من معرض دائم، كرمز لما يعنيه العيش في دولة تقيد حرية التعبير والصحافة. لكن يبدو أن القسم المخصص للجدار لن يبقى هناك لفترة طويلة. فمصيره مرتبط بالمتحف، الذي بات مستقبله على المحك.

ويجري الآن البحث عن مقر جديد لحفظ كل من الجزء الخاص بجدار برلين ومخلفات هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية عام 2001، وصور الفائزين بجوائز بوليتزر وغيرها من المتعلقات الرمزية التي تبرز الأحداث الأكثر أهمية في تاريخ الصحافة الأميركية.

وكان لافتتاح المبنى ذي الهيكل الزجاجي والفولاذ الذي يضم هذه المقتنيات عام 2008 في جادة بنسيلفانيا، في منتصف المسافة بين البيت الأبيض ومبنى الكونغرس، دوي كبير، وأضحى أحد رموز حرية الصحافة في العاصمة الأميركية لذلك جاء قرار بيعه بمثابة صدمة.

يجري الآن البحث عن مقر جديد للمتحف لحفظ الجزء الخاص بجدار برلين ومخلفات هجمات الحادي عشر من سبتمبر
يجري الآن البحث عن مقر جديد للمتحف لحفظ الجزء الخاص بجدار برلين ومخلفات هجمات الحادي عشر من سبتمبر

وقالت جان نوهارث، ابنة آل نوهارث -مؤسس صحيفة “يو.أس.أي توداي”- والرئيسة والمديرة التنفيذية لمنتدى الحرية، “لقد كان قرارًا صعبًا ولكنه مسؤول”.

ولم يتضح بعد ما سيجري بعد إغلاقه المرتقب في يناير 2020، إلا أن نوهارث أكدت أنها تود استمرار مهمة المتحف، والذي كان مشروع والدها المفضل، والذي بدأ العمل في مجال الصحافة بعد الحرب العالمية الثانية ووصل إلى قيادة مؤسسة “جانيت” التي تصدر عددا من كبرى الصحف الأميركية، وتوفي عام 2013.

وقبل الانتقال إلى واشنطن، كان مقر متحف الصحافة يقع في مدينة ارلينغتون، بولاية فيرجينيا، حيث افتتح منتدى الحرية عام 1997، ليصبح أول متحف في العالم مخصص للصحافة.

ويفسر الكثيرون الصعوبات التي يواجهها متحف الصحافة في الولايات المتحدة بأنها تذكير مؤلم بالتغيرات الهائلة التي مرت بها صناعة الإعلام. فمع ظهور عصر الإنترنت، واجهت وسائل الإعلام التقليدية، وخاصة الصحف الورقية، صعوبات مالية هائلة. بالإضافة إلى ذلك، يحدث هذا الإغلاق في وقت وصف فيه الرئيس دونالد ترامب وسائل الإعلام بأنها “أعداء الشعب”.

وذكر إدوارد ألوود، الأستاذ في جامعة ماريلاند، في مقال له بصحيفة واشنطن بوست، أن هناك مشاكل أخرى. وقال “متحف الصحافة، يحاول تأطير صناعة غير محددة بدقة”. وأضاف “لا أعتقد أننا جميعا متفقون، على عكس ما كنا عليه في الماضي، بشأن ماهية الأخبار”.

من ناحية أخرى، فإن السعر المرتفع نسبيا لقيمة التذكرة (25 دولارا)، لم يكن محفزا في جذب الجماهير، نظرا إلى أنه توجد بالقرب منه العديد من المتاحف المهمة، وسعر تذاكرها أقل وأحيانا مجانية. ورغم ذلك كان يجتذب المتحف 800 ألف زائر سنويا، وفقا لبيانات الإدارة، إلا أن عائدات التذاكر لم تغط تكاليف التشغيل.

تذكير مؤلم بالتغيرات الهائلة التي مرت بها صناعة الإعلام
تذكير مؤلم بالتغيرات الهائلة التي مرت بها صناعة الإعلام

ويمكن للزائرين قبل دخول المبنى قراءة التعديل الأول من الدستور، منقوشا على الواجهة، وهو نص لا يحمي حرية التعبير والصحافة فحسب، بل وحرية المعتقدات الدينية أيضا، وحق تنظيم التجمعات السلمية وحق طلب تعويضات عن المظالم الحكومية.

كما توجد في الداخل عدة مقالات  تقف شاهدة للتاريخ: دفتر ملاحظات الصحافي مايكل ايسكوف عن مغامرة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مع المتدربة السابقة بالبيت الأبيض، مونيكا لوينسكي، أو الحلة التي كان يرتديها نجم كرة القدم الأميركية السابق أو جي سيمسون، خلال محاكمته الشهيرة بتهمة قتل زوجته الشقراء نيكول، والتي تابعتها وسائل الإعلام الأميركية بكل اهتمام، لأسباب تتعلق بالعنصرية عام 1995.

ويوجد في الطابق الثالث من المتحف ما يعرف بالنصب التذكاري للصحافيين، وهو عبارة عن لوحة مضيئة منقوشة عليها أسماء أكثر من 2000 صحافي ومراسل لقوا مصرعهم أثناء تأدية عملهم. وعلى الجدار المقابل توجد خارطة ضخمة توضح مؤشرات حرية الصحافة في جميع أنحاء العالم، كما يوجد أيضا نصب تذكاري مخصص للصحافيين الخمسة الذين قتلوا بالرصاص في يونيو الماضي في قاعة التحرير بجريدة “ذي كابيتال جازيت”، في مدينة أنابوليس بولاية ميريلاند.

أما أبرز معالم المتحف فهو قاعة تمثل محاكاة لأستوديو تلفزيون، يمكن للزوار أن يقوموا فيها بمحاكاة مقدمي نشرات الأخبار المشاهير. ولكن بعض المعروضات تعرضت لانتقادات لكونها موجزة للغاية، وموجهة أساسا للترفيه وتبالغ في تسطيح عمل الصحافيين الشاق والخطير في الكثير من الأحيان.

18