بيكار رجل الصنعة الذي رسم بمزاج شخصي

الأحد 2016/05/22
بيكار قبرصي غمر المصريين بمصريته

لندن - ما أن يتم الحديث عن صحافة الأطفال في العالم العربي حتى يرد اسمه رائدا في ذلك المجال. بيكار هو أول مَن جسد شخصية سندباد رسما بعد أن عاش ذلك الشاب المغامر سجين حكاياته المثيرة في الليالي العربية.

حدث ذلك عام 1949، يوم بدأ التفكير في إصدار مجلة خاصة كان اسمها “سندباد”.

ولكن بيكار كان قد سبق سندباد في ريادته لرسوم الأطفال. عام 1944 بدأ تعاونه مع دار المعارف في رسم كتب “كامل كيلاني” الموجهة للأطفال.

في الوقت نفسه أتيحت له الفرصة أن يكون أول رسام في العالم العربي يقوم بتصميم ورسم غلاف كتاب وتزيينه بالرسوم الداخلية. كان ذلك الكتاب هو الأيام، سيرة الطفولة التي كتبها طه حسين.

شهرة بيكار ارتبطت بالرسم الصحافي، فهو رائده ومعلمه وخبيره، غير أن الرجل، متعدد المواهب يُظلم لو تم اختزاله بما له في ذلك المجال. هناك جوانب أخرى من شخصيته تكشف عن موهبته الفنية الاستثنائية.

العجيبة الثامنة

كان الرجل موسيقيا وشاعرا ونحاتا وسينمائيا ورسام صور شخصية ومؤلف كتب ومعلم فن من طراز فريد. دائما هناك أشياء نجهلها في شخصية بيكار الذي نعرفه.

وبالرغم من أن بيكار لم يكن مصريا (كان قبرصيا من أصول تركية) فقد امتزج تاريخه الشخصي بتاريخ مصر في نهضتها الفنية الحديثة بطريقة تكشف عن انتمائه المصري الأصيل.

من المؤكد أن قيامه بتسجيل حدث عالمي مهمّ مثل نقل معبد أبو سمبل من مكانه التاريخي إلى مكان جديد قبل أن تغمره مياه السد العالي في ثمانين لوحة إضافة إلى الآلاف من المصغرات، يعد حدثا استثنائيا، على مستوى وطني.

البورتريه يشكل العمود الفقري لمزاج بيكار الفني

كانت تلك اللوحات هي مادة الفيلم التسجيلي “العجيبة الثامنة” الذي قام بإخراجه جون فيني. وقد اعتبر ذلك الفيلم دعاية لمصر الناصرية في ذلك العصر المضطرب.

لذلك استحق بيكار مختلف أنواع التكريم. فقد حصل على وسام العلوم والفنون ووسام الاستحقاق وجائزة الدولة التقديرية وأخيرا جائزة مبارك للفنون عام 2000، أي قبل سنتين من وفاته.

ولد حسين أمين بيكار في حي الأنفوشي بالإسكندرية عام 1913. كان من أوائل الطلبة الذين التحقوا بمدرسة الفنون العليا ولم يتجاوز عمره الخامسة عشرة. وحتى عام 1930 كان معلّموه من الأجانب.

بعدها انتقل إلى الدرس تحت أيدي أحمد صبري ويوسف كامل. نسب بعد تخرجه للعمل في مدينة الأقصر الجنوبية مدرسا للفنون.

قام أثناء سنوات عمله تلك بتأسيس متحف للشمع هناك. بعدها حصل التطور الأهم في شبابه، يوم انتدب للتدريس في مدينة تطوان المغربية التي كانت يومها تحت الاحتلال الأسباني. هناك نفّذ بيكار أول رسومه التوضيحية، بعد أن طلب منه معلم اللغة الأسبانية القيام بذلك لتظهر رسومه مطبوعة في الكتاب التدريسي الذي ألّفه ذلك المعلم.

عام 1942 عاد بيكار إلى مصر وعمل في كلية الفنون معيدا ومساعدا لأستاذه وصديقه أحمد صبري.

استلم مسؤولية المرسم الحر بعد أن تركه صبري إلى رئاسة قسم التصوير الذي تسلم بيكار رئاسته بعد أن أحيل صبري على التقاعد. غير أن القدر كان يخبئ له مصيرا مختلفا. لقد شجع نجاح كتاب “الأيام” دار المعارف التي قامت بنشره، على أن تكلّف عددا من الكتاب بتأليف كتب موجهة إلى الأطفال. من بين أولئك الكتّاب نذكر محمد سعيد العريان ومحمد فريد أبو حديد وأمينة السعيد.

بدأ إصدار سلسلة تلك الكتب مزينة برسوم بيكار عام 1946. ولقد تأخر التفكير في إصدار مجلة للأطفال حتى عام 1949 ولم يصدر عددها الأول إلا في عام 1952. كان ذلك الحدث فتحا ثقافيا وتربويا عظيما.

وهو ما دفع بدار أخبار اليوم إلى تبنّي المشروع بعد أن تخلت عنه دار المعارف بعد وقت قصير من البدء فيه. وهي اللحظة التي تفرّغ فيها بيكار للعمل الصحافي، تاركا بصمات فنية واضحة على الكتب التي كانت تصدرها الدار المذكورة.

لقد لعب دورا تاريخيا مهما في مجال التصميم الصحافي وبالأخص على مستوى تصميم ورسوم أغلفة الكتب والتصميم الداخلي.

بيكار زين برسومه أكثر من ألف كتاب

البورتريه ومزاج بيكار

زين بيكار برسومه أكثر من ألف كتاب. ومع ذلك فقد وجد في الوقت متسعا ليؤلف كتبه الشخصية. نذكر منها “رسم بالكلمات” و”لكل فنان قصة” و”صور ناطقة” إلى جانب أنه كان يكتب الرباعيات الشعرية والمقالات النقدية في مجال الفن وكان يعزف على العود في فرق كانت تقدم حفلاتها للعامة.

غير أن اهتمامه بفن الصور الشخصية (بورتريه) كان يشكل العمود الفقري لمزاجه الفني. وهو مزاج متقلب لم تضبطه الحرفة. يقول “إذا لم أحب ملامح من سأرسمه فلن تطاوعني فرشاتي”.

وبسبب استغراقه في العمل الصحافي فقد مزج بيكار بين فن الرسم التوضيحي وفن البورتريه بأسلوب لم يتيسر للكثيرين ممن حاولوا تقليده. فبالرغم مما ينطوي عليه العمل الصحافي من اندثار سريع فقد كان بيكار حريصا على أن تكون الصور الشخصية التي يرسمها قطعا فنية، يعبّر من خلالها عن حقيقة شعوره إزاء الشخصية التي يرسمها.

يتذكر من معلميه في هذا الفن فريدمان كروزيل قوله “حين تكون أمام البورتريه يجب أن تشعر أنك تخاطب الشخصية التي ترسمها. إذ لا بد أن تكون الجلسة حوارية ولا بد أن يكون هناك نوع من الترابط العقلي والوجداني بينكما. إن هذا الحوار هو ما سيمكنك من اقتناص لحظة زمنية في مسار الزمن، لحظة هي جزء من العمر الذي هو لحظات تتراكم فوق بعضها وتتعدد لتكون بمجموعها نسيجا أو كتلة أو شخصية معينة. إذا استطعت أن تقتنص تلك اللحظة من خلال هذه الجلسة الحوارية وتضعها على الورق بواسطة الرسم، عندها فقط ستصل إلى قلب فن البورتريه”.

وبسبب تمسكه بتلك الوصية وإيمانه بها أصبح بيكار واحدا من أهم رسامي البورتريه في العالم العربي.

معلم قبل التقنيات

لا ينافس بيكار في تعدد مواهبه وإبداعه المتميز في المجالات الفنية الكثيرة التي عمل فيها سوى محيي الدين اللباد. الفنان الذي صنع مجده مستعينا بثقافة بصرية استثنائية.

مثله تماما كان اللباد رجل صنعة، موهوبا بضراوة، متمكنا من حرفته، مغامرا في ارتجالاته وصاحب خيال جامح. غير أن زمن اللباد هو غير زمن بيكار.

استفاد اللباد من التقنيات التي صارت متاحة في عصره ليكمل ما بدأه بيكار الذي يظل محتفظا بسبقه التاريخي والفني. لقد تتلمذت على يديه أجيال من الفنانين العرب وكان أسلوبه الفني مدرسة في التصميم والرسم الصحافيين.

سيكون في الإشارة إلى اللباد شيء مهم من الدلالة. ذلك لأنه ما من أحد من العاملين في مجال الرسم الصحفي كان قد تجاوز بيكار بالطريقة التي قام بها اللباد، مؤسسا لمدرسة جديدة في فن صناعة الكتب والإخراج الصحفي. لا يزال أثر بيكار قائما حتى اليوم.

10