"بيلان" حكاية المغمورين بطمي الفرات وسنوات القهر

في خضم الواقع العربي المحتقن بأحداث كثيرة، أحداث أغلبها ملطخ بالدم والدخان ورائحة الحرب والدمار والموت، يبدو الأدب هو الأنسب لفهم هذا الواقع أو لكشفه أو للتلطيف منه، وربما كانت الرواية بحثا اجتماعيا وسياسيا للتاريخ غير الرسمي للناس، ذلك التاريخ الذي لا سطوة لقوى القهر عليه، التاريخ الذي لا يكتبه القوي. “العرب” التقت الشاعر والكاتب السوري موسى رحوم عباس، فكان لنا معه هذا الحوار عن حال الأمكنة والناس، وهو السوري الأدرى بذلك.
الجمعة 2015/06/19
إذا لم أستطع برواية الحكايات أن أستعيد مدينة ضاعت، فبوسعي على الأقل أن أستدعيها

في روايته الجديدة “بيلان” أراد الشاعر والكاتب السوري موسى رحوم عباس “أن يحفر من خلالها تحت السطح ليعرف لماذا فشلت الدولة الوطنيّة عقب الاستقلال عن الأجنبي في سوريا”، وليطرح أسئلته في جملة من المفارقات والمقاربات التي تخندق الطغاة فيها خلف متراس فلسطين، فكان أن رموا بالعباد والبلاد إلى الهامش.

الأماكن هي أرواح

يبحث موسى رحوم في العقبات التي حالت دون إقامة دولة المواطنة لتكون الدولة الأمنيّة بديلا عن كلّ شيء في سوريا، ويتّخذ من مدينة الرقّة مسرحا لأبطاله وشخوصه في سرد يعترف فيه بعدم حياديّته، فهو كما يقول منحاز للوجع والألم في مواجهة حادّة مع القهر والاستلاب.

موسى رحوم عباس شاعر وروائي سوريّ يقيم في المملكة العربيبة السعودية منذ سنوات طويلة، تخرّج من جامعة حلب السوريّة حيث أنهى دراسة علم النفس، ليحصل على أعلى الدرجات العلمية في هذا الاختصاص، وليتّجه إلى الأدب ليكون الشعر هو محطّته الأولى عبر العديد من الدواوين الشعرية، ثم ليخوض عبر روايته الأولى “بيلان” عالم السرد العربي.

الرقة التي خرجت مبكّرا من سلطة النظام السوري الحاكم للبلاد، ووقعت مبكّرا أيضا تحت سلطة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، فكانت مسرحا لأحداث “بيلان”، وهنا يقول ضيفنا “إن علاقة الإنسان بالمكان علاقة ملتبسة، فالأماكن لها روح البشر، تطاردهم وتلتصق بهم كما الظل”. لجأ موسى رحوم إلى مسقط رأسه الذي ابتلعه نهر الفرات العظيم، فحاول استنهاض الذاكرة ليعيد للمكان سطوته مستحضرا مقولة الروائي الألماني غونتر غراس: إذا لم أكن أستطيع برواية الحكايات أن أستعيد مدينة ضاعت أو دمّرت تماما، فبوسعي على الأقل أن أستدعيها.

“بيلان”، منطقة جغرافية في جبال الأمانوس، ولكنها تتّخذ عند ضيفنا معنى مقاومة الموت بالهجرة، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الهجرات الكثيفة التي بدأت من الشرق مؤخّرا، لم تكن قد انطلقت بهذه البوادر حين كتابة الرواية، ليعترف ضيفنا أنّ “بيلان” ممرّ صخري في جبال الأمانوس، وهو ممر عبر منه الطامعون في الشرق إلى الشرق وهو أيضا ينام في ذاكرة الشاعر على أنّه الشارع الرئيس الذي يفصل مسقط رأسه إلى حيّين كان يخوض معاركه الطفوليّة على أطرافه، ومنه انطلقت الهجرات الأولى عندما ابتلع سدّ الفرات أرض قريته فتحوّلوا -كما يقول- “تحت إرادة القائد الضرورة إلى قنبلة في حدود سوريا بهدف التغيير الديموغرافي في مناطق معيّنة تحت عنوان الحزام العربي”، فتمّ تعريفهم بالمغمورين ومن هنا كانت رواية “بيلان” هجرة أولى تبعها الطوفان الكبير، فالقرية الصغيرة على ضفاف الفرات تحوّلت في العقل الباطن للروائي إلى عالم متكامل لا يعترف بالمركز أو الهامش.

المشكلة ليست في التراث، بل في تلك النظرة التي نحملها عن التراث، بوصفه جامدا غير متحرك

المجتمع والسلطة

السلطة في بيلان كالموسيقى التصويريّة في الأفلام السينمائية فهي تظهر عند الأحداث التي تسترعي الانتباه، فتكاد تخطف الحدث، لأنّها هي الصانعة له بينما نرى المهمّشين الذين اختار لهم ضيفنا أسماء تتصل مباشرة بتلك الأرض وثقافتها فيقدّمهم بطريقة غير نمطيّة ليسلّط عليهم الضوء ولينتقلوا من الهامش إلى المتن في رحلة الهجرة الكبيرة.

الفشل الأخلاقيّ قدّمه موسى رحوم عبر مسارين الأوّل تمثّل في فساد الدولة ومؤسساتها التي يقودها البعث والثاني سقوط أخلاقيّ لدى المجتمع ككل في بناء هرميّ أتقنه الكاتب لمعرفته الدقيقة بطبيعة ذلك المجتمع الذي يتناوله، فلجأ إلى إسقاطات حقيقيّة على أرض الواقع، وضيفنا هنا يتمثّل مقولة النقاد في شيوع الإسقاط التاريخي ضمن الأعمال الأدبية كمؤشّر على التردّي في الحريّات العامة مع قناعته بأنّ هذه الطريقة ستبقى حتى في أعلى مناخات الحريّة، لما فيها من دعوات للغوص والبحث بعيدا في حيوات الناس، عبر الأزمنة والأنظمة من خلال البحث في موروث أدبيّ وثقافي واجتماعيّ ضخم ممتد تاريخيّا، ليكشف ضيفنا أنّ المشكلة ليست في التراث بل في تلك النظرة التي نحملها عن التراث بوصفه جامدا ثابتا غير متحوّل، وهنا تبرز نظرته التي يرى فيها التراث بوصفه حاملا للمستقبل على حدّ قوله.

ماذا بعد الحرب

ضيفنا بدأ مسيرته الأدبية عبر الشعر لينتقل بموازاة ذلك إلى السرد وليعالج من خلاله كلّ تلك الظواهر التي يراها أمامه أو يستقيها من ذاكرته الشخصيّة أو الجمعيّة، وفي ظلّ هذا الانهيار التام الذي نراه في الشرق لكلّ القيم التي قامت عليها المجتمعات، نسأل أستاذ علم النفس السريري عن أهمّ الأمراض النفسيّة التي تعصف بمجتمعاتنا اليوم، ليردّ بأنّ البلاد المدمّرة التي يكون أكثر من نصف أهلها مهجّرين وقتلى ومعاقين، يصبح من المناسب أن نتحدث عن كارثة، هذه الكارثة هي اضطراب ما بعد الصدمة وهو موضوع كتابه النفسي الجديد، الذي يتناول فيه اضطراب ما بعد الصدمة كضحايا الاغتصاب والعنف والطفولة المهدورة وضياع فرص التعليم وأطفال الشوارع، حيث تشكّل كل تلك المحاور أرضيّة خصبة لإنتاج الاضطرابات النفسيّة.

علاقة الإنسان بالمكان علاقة ملتبسة، فالأماكن لها روح البشر، تطاردهم وتلتصق بهم كما الظل

حديثنا عن الكارثة النفسيّة دفعتنا لسؤال ضيفنا عن سراديب النفس البشريّة، التي يتحوّل فيها الرجل المسالم إلى قاتل شرس، ليقول إن النفس البشريّة مركّبة من البيئة والموروث في مزيج معقد، لا يصدق فيه التوقع دائما، ولا يعطي النتائج نفسها في كل مرة، وعندما نتحدّث عن القاتل، نشرح ولا نبرر، وليس القتلة سواء، فمن يدافع عن حقه في الحريّة والكرامة، ليس كمن يقتل ليبرر سرقته لحياة الآخرين، وفي جو الظلم وفقدان معايير العدل، يتابع ضيفنا أنّ الإنسان قد يجد نفسه وجها لوجه في معركة لم يخطط لها، سوريا نموذج لذلك كما يقول، فمعظم من يمارس القتل على الجانبين هو نتاج لبيئة مختلة، ونتيجة لعمل أفسد الحياة على مدى نصف قرن تقريبا، والأدب هو من يغوص في ذوات هؤلاء.

من متابعتي لتجربة الدكتور موسى رحوم عباس سواء الشعرية أو السردية على سياق الرواية والقصّة، فإنّ مشروعا أدبيّا بخصوصيّته يظهر في ممازجة بين الأدب والفلسفة وعلم النفس بكل أقسامه وتنوّعاته وعن هذا يقول ضيفنا “إنّ أصواتا كثيرة تتنازع داخله ربّما كانت الرواية أكثرها إغراء له”.

15