"بيلا تشاو" الإيطالية و"مع العزابة" التونسية ملحمتان حزينتان من ضفتي المتوسط

ميلفا تغادر مشعة مثل أيقونة وصليحة تموت وحيدة بلا قبر.
الخميس 2021/09/09
الأغاني الخالدة ملاحم حية (لوحة للفنان تحسين الزيدي)

الكثير من الأغاني خلدت في ذاكرة الشعوب وانتشرت حتى صارت ترددها في كل محفل، حتى أن الكثير من المرددين لا يعلمون القصص الأصلية لهذه الأغاني. أسباب خلود أغنية مقارنة بأخرى قد يتجاوز اللحن والكلمات والقيمة الفنية إلى قدرتها على تصوير ملاحم الشعوب، فما يبقى ويخلد في الذاكرة الجماعية بوعي أو غير وعي هو الملحمة.

يحدث أن تعيد اكتشاف أغنية فلكلورية بسيطة الكلمات، لكنها عظيمة المعاني والدلالات من حيث أسباب ظهورها وارتباطها بحدث كان قد هز وجدان أمة بكاملها.

ويحدث أن تمر هذه الأغنية بصفة عابرة في حفل يستجمع ويستنهض مستعجلا، تراثا موسيقيا مهملا أو حتى تضمنها شارة عمل درامي جماهيري في مسلسل تلفزيوني كما هو الشأن بالنسبة إلى أغنية “بيلا تشاو” الإيطالية الشهيرة التي تضمنها المسلسل الإسباني “لاكازا دي بابل” الذي انطلق موسمه الخامس منذ أيام قليلة على شبكة نتفليكس.

ملحمة شعبية

الحالة العكسية صحيحة أيضا، وهي أن تحيلك أغنية فلكلورية ترددها العامة في مناسباتها الشعبية بصفة تلقائية، إلى حكاية آسرة أو واقعة تاريخية ترتقي إلى مصاف الملحمة وتوثق لمرحلة هامة من تاريخ شعب ما.

الأمثلة كثيرة ومتنوعة في موروث الشعوب ولدى جميع الثقافات، مما حدا بالمنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) إلى جمع وتوثيق هذا التراث اللامادي باعتباره مكونا للذاكرة الإنسانية، وعنصر تقريب بين الأمم والشعوب.

المدونون والمهتمون بالتراث الغنائي العالمي اهتموا لأناشيد وأهازيج ذاع صيتها إلى درجة أنها ترجمت إلى مختلف لغات العالم محتفظة بنغمتها الأصلية، مما يؤكد على أن الأغاني العظيمة يُكتب لها الخلود بألحانها قبل كلماتها.

وبالعودة إلى أغنية “بيلا تشاو” الشهيرة، التي دأب الإيطاليون على إنشادها من شرفات منازلهم في ذكرى يوم التحرير، عند انتهاء الحكم النازي في البلاد والقبض على الحاكم الفاشي بينيتو موسوليني، أثناء الحرب العالمية الثانية وانتصار المقاومة الإيطالية.

أعذب الأغاني وأكثرها خلودا في وجدان الناس تلك التي ارتبطت بالملاحم والعذابات ثم استقرت في السجلات بعد انتصارات
 

“بيلا تشاو” أي “وداعا أيتها الجميلة” تعتبر من أبرز الأغاني الفلكلورية في إيطاليا، انتشرت مع العاملات الإيطاليات في حقول الأرز، حيث كانت من أهم الأناشيد خلال موسم إزالة الأعشاب الضارة، بالأخص في وادي “بو” شمالي إيطاليا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وكانت توكل هذه المهمة الشاقة إلى النساء الأفقر في المنطقة، وبأجور بخسة، مما جعل التخلص من هذه الأشغال الشاقة انتصارا في حد ذاته، وتحررا حقيقيا من أغلال العبودية، بالإضافة إلى ما يوازيها من قصص حب مؤثرة في تلك البيئة التي تنضح شعرا ومعاناة.

ووثقت أول نسخة مكتوبة للأغنية بالقرب من إقليم بييمونتي الإيطالي عام 1906، لكن الكاتب الأصلي لكلمات الأغنية لا تزال هويته مجهولة مثل معظم الملاحم الغنائية.

وأعادت حركة المقاومة الإيطالية إحياء هذه الأغنية بين عامي 1943 و1945 ضد الاحتلال النازي لإيطاليا ومقاومة الفاشية تحت ظل موسوليني.

منذ أشهر قليلة، ماتت عن عمر ناهز 81عاما، أشهر من غنى “بيلا تشاو” فترة الستينات، وهي المغنية الإيطالية “ميلفا” فاختار محبوها بأن يرثوها بنفس كلمات الأغنية التي تقول “صباح يوم ما، أفقت من النوم، وداعاً أيتها الجميلة، صباح يوم ما، أفقت من النوم، ورأيت وطني محتلاً، يا رفيقة، احمليني بعيداً، وداعاً أيتها الجميلة، يا رفيقة، احمليني بعيداً، لأنني سأموت، وإن مت، كمقاوم، وداعاً أيتها الجميلة”.

في الضفة الأخرى للمتوسط أي لدى الجيران الجنوبيين للإيطاليين الذين جمعتهم عبر التاريخ القديم والحديث، الحروب والضغائن كما الصداقات ووحدة المصائر، كانت تُغنى، وقبل عقود من نشوء قصة “بيلا تشاو” وارتباطها بمعاناة النساء في حقول الأرز، أغنية “مع العزّابة” التي اشتهرت بأدائها فيما بعد مطربة تونس الأولى صليحة (1914 ـ 1958) معاناة نساء أخريات في جبال “وسلات” بالقيروان وسط البلاد التونسية نتيجة الظلم والتسلط الذي حل بتلك المناطق ذات الأغلبية الأمازيغية، من قبل السلطات العثمانية المتحالفة مع القبائل البدوية في ما يعرف بـ”الفتنة الباشية” في تلك الحرب الأهلية التونسية منتصف القرن الثامن عشر.

الأغنية المحرفة

"بيلا تشاو" أغنية إيطالية مشهورة
"بيلا تشاو" أغنية إيطالية مشهورة

أغنية “مع العزّابة” هي من التراث التونسي الحزين الذي بقي “منقوشا في الذاكرة الشعبية” كما يقول مؤرخو الأغنية الفلكلورية، وذلك على عكس “بيلا تشاو” التي تحمل طابعا مرحا رغم خلفيتها الدرامية.

وهذه الأغنية التي مازال يؤديها التونسيون بشجن كبير، تؤرخ للمحنة التي تعرض لها سكان جبال وسلات من البربر، وتفرقهم أثناء النزاع على السلطة بين الشق المرادي (نسبة إلى مراد الثالث) والشق الحسيني (نسبة إلى حسين باشا) زمن الشتات الذي حل بالبلاد أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر.

كلمات الأغنية منسوبة إلى امرأة وسلاتية (من جبال وسلات) كانت تغنيها من كثرة اللوعة والحرقة التي أصابتها بعد ضياع ابنتها البكر منها (سالمة) خلال عملية التفرقة والتشتيت التي مارسها الحسينيون ذوو الأصول العثمانية، وحلفاؤهم البدو من عرب المنطقة.

وتتضح الإشارات السياسية في المقطع الذي يحيل إلى أزمة منطقة الحامة، جنوب تونس والتي سبقت حملة التهجير تلك، وماثلتها في العنف والدموية “يا جبل وسلات وسّع بالك/ اللي جرا للحامة يجرالك” في إشارة إلى وحدة المصير حين تمرّد أهل الحامة وتعرضوا إلى التنكيل في عهد حمودة باشا المرادي في القرن السابع عشر، حتى حل الخراب على المدينة بأكملها.

ويقول مطلع كلمات هذه الأغنية الموغلة في اللوعة والحزن والفجيعة كما ورد في كتاب “الأغاني التونسية” لمؤلفه الصادق الرزقي “نا (أنا) بكرتي (ابنتي البكر) شردت مع العزّابة خشّت بلاد الشيح والقطّابة/ يا سالمة مكتوب ربّي قدّر فراق الحبايب في الجبين مسطّر”.

ثم تسترسل هذه المرأة التي فجعت بابنتها أثناء حالات السبي، نحو الذكر الصريح للقتلة من العرب، دون مواربة في قولها “يا سايقين البل يا جمّالة تونس بعيدة والعرب قتّالة/ يا تونس الخضراء يا مسمّية بلاد بعيدة والعرب قطعيّة (أشرار)/ هاك (ذاك) الجبل الأزرق جبل والدتي يا ليتها عقرت ولا جابتني/ ها يا جبل وسلات وسّع بالك اللّي جرى للحامّة يجرالك/ يا لندره (هل يا ترى) مكتوب وإلاّ دعوة وإلا خروجي من بلادي شهوة / يا لندره يا ضيم تتلاجاشي وإلا نموت بعلتي في جاشي”.

وتجدر الإشارة إلى أن توثيق هذه الأغنية في ما بعد، لم يكن أمينا، وذهب إلى تحريف كلماتها لغايات سياسية ومراعاة لاعتبارات اجتماعية ومؤسساتية، خصوصا لدى الفرقة الرشيدية التونسية التي أخذت على عاتقها توثيق و”تهذيب وتشذيب” بعض الأغاني التونسية.

وفي هذا الصدد،  يشير الشاعر التونسي المعروف الجليدي العويني، ضمن مقاله “نصوص أغاني صليحة: المنطلقات، المضامين والموازين مقالات عن صليحة”، مركز الموسيقى العربية والمتوسطية، إلى دور الفرقة الرشيدية والإذاعة في نزع كل ما يُدين أسرة الحسينيين الحاكمة من الأغنية “عزّز تأسيس الإذاعة هذا الخيار في انتقاء المفردات، لأن المحطة الوليدة كانت تحتاج أغانٍ تحترم أعراف وأخلاق مستمعيها والرشيدية كانت المموّن الأول في هذا المجال؛ وقد سعى الشعراء إلى إجراء تغييرات حتى على الأغاني التراثية”.

ويشير العويني إلى مقاطع مفصلية في الأغنية، ففي مقطع “بكرتي شردت مع العزابة” مثلًا تحول البيت الأصلي من “يا سايقين الإبل يا جمّالة/ تونس بعيدة والعرب قتّالة”، إلى “تونس عزيزة والعرب رجّالة”.

أعذب الأغاني وأكثرها خلودا في وجدان الناس تلك التي ارتبطت بالملاحم والعذابات ثم استقرت في السجلات بعد انتصارات

عبث مقص الرشيدية بكلمات الأغنية التي أرّخت دون مواراة لدموية الدولة الحسينية، في تملّق لروايات التاريخ المغلوطة التي دوّنها القريبون من السلطة الذين يحكمون.

شمل الأمر عدة أغانٍ جرى طمرها أو وصمها بالخليعة، تأكيدًا لمشروع الرشيدية الوليد القاضي بتطهير الأغاني التونسية، وتجريد مضامينها من إشارات قد تدين تاريخ المملكة الحسينية وقتها. كيف لا والرشيدية التي أُسست سنة 1934 تحت حكم البايات قد سُمّيت تيمّنًا باسم محمد الرشيد باي، ابن الحسين بن علي وأحد الفاعلين في الفتنة الحسينية – الباشية التي تمثل الخلفية التاريخية للأغنية.

وبالعودة إلى هذه المقاربة بين “بيلا تشاوّ” الإيطالية و”مع العزّابة” التونسية، فإن المرء يقف على حقيقة تاريخية مفادها أن أعذب الأغاني وأكثرها خلودا في وجدان الناس، هي تلك التي ارتبطت بالملاحم والعذابات ثم استقرت في السجلات بعد انتصارات، وكبرت بعد تراكم مثل كرات الثلج.

لكن هذه المقاربة تبقى منقوصة وتعتريها غصة حين نعلم أن الإيطاليين كرموا أغنيتهم الشعبية ومؤديتها ميلفا، التي حققت شهرة في بلدها توازي شهرة صوفيا لورين في السينما، في حين بقيت صليحة مجهولة القبر في تونس، وكلمات الأغنية استمرت محرفة لاسترضاء أهل السطوة من العرب أو من بقايا العثمانيين.

 
15