"بيلماون" المغربية كوميديا مسرحية عن أسطورة الكبش الضائع

المسرحية تعتمد بصورة رئيسية على حكاية ممتعة بالتراث الفلكلوري تناقلتها الأجيال المغربية جيلا بعد جيل، هي أسطورة "بوجلود".
الأحد 2019/05/05
عمل مسرحي عربي يستلهم المسرح الإغريقي

تحوَّلت أسطورة بيلماون المغربية من تقديم فرقة فيزاج بمسرح محمد الخامس بالرباط مؤخرا إلى عمل مسرحي حمل الكثير من ثيمات مسرح الصورة.

بنى الكاتب أحداث مسرحيته الكوميدية على حكاية ضياع كبش زعيم القبيلة المعروف بين القبائل باسم “إيزغر”، وبحث القبائل عنه، فالكبش الذي ينحدر من سلالة أصيلة عُرفت بين الجميع بخصوبتها، وقدرة ذكورها على إنجاب أجيال من الخراف السمينة يصير هدفا للجميع، فهو المنجد الوحيد، الذي سيعيد ما فقدته القبائل من الماشية.

المسرحية التي قدمت بدعم من وزارة الثقافة المغربية، وشراكة مع مسرح محمد الخامس، من تأليف وإخراج أمين غوادة وتمثيل، زهرة الهواوي، رضا بنعيم، سعيد بكار، محمد بودان، عصام الدين محريم، نورالدين سعدان وعبدالرحيم التميمي. وسينوغرافيا عبدالحي السغروشني، والملابس نورا إسماعيل.

رمزية الزعامة

إن القالب التمثيلي الذي قدمت به المسرحية أعاد للأذهان ما كان يدور من فرجة في الشوارع والأسواق في مناسبة "بوجلود" السنوية في العديد من المدن المغربية من بينها، فاس، الرباط، الدار البيضاء، إنزكان وغيرها
إن القالب التمثيلي الذي قدمت به المسرحية أعاد للأذهان ما كان يدور من فرجة في الشوارع والأسواق في مناسبة "بوجلود" السنوية في العديد من المدن المغربية من بينها، فاس، الرباط، الدار البيضاء، إنزكان وغيرها

 تدور أحداث المسرحية بعد موجة جفاف تصيب الأراضي التي ترعى فيها المواشي، مما يؤدي إلى هلاك الخراف القادرة على إخصاب الإناث التي ينجو عدد قليل منها أيضا بسبب الكارثة. ومن دون أن توضح المسرحية سبب امتناع صاحب الكبش “أماون” وهو في الوقت نفسه زعيم جميع القبائل المتضررة بسبب الجفاف من إعارة كبشه لإخصاب نعاجهم، بالرغم من توسل أفراد القبائل به.

ويعود ذلك إلى رمزية الزعامة لدى القبائل، التي تعني أيضا امتلاك العدد الأكبر من الماشية، التي تدعم سلطة الزعيم فيها، وفكرة الذكر الأصيل، الذي يعيد تعمير ما خربته الكوارث. وهي إشارة ضمنية إلى قدسية كبش الزعيم “إيزغر” للتفريق بين ما يمتلكه الزعيم وما يمتلكه أفراد القبائل المنضوية تحت زعامته. وقدسية الكبش في الثقافة المغربية القديمة من المسلمات الأنثروبولوجية المعروفة بل أن أسطورة “بيلماون” ــ بوجلود ــ تقوم على فكرتها.

يناشد “أماون” ساحرة القبيلة “هرمة” أن تجد له الكبش الذي فقده بشكل غامض، لكنها بالرغم من معرفتها ما يدور في بيوت القبيلة من أحاديث لم تستطع أن تعرف من خان الزعيم وسرق كبشه، لذلك تقترح عليه أن تلقي عليه الطلسم السحري الذي يحوّله إلى كبش، ليسأل النعاج عن كبشه “إيزغر” ويعرف من خانه من القبائل بهذا الفعل القبيح.

اختفاء كبش الزعيم “أماون” بظروف غامضة هو الحدث الدرامي الذي نقل المشاهدين من متابعة ما قدم في الحلقة المغربية عند تمثيل الأسطورة في الشارع لإمتاع الناس بفرجة فلكلورية، هزلية مؤقتة ينتهي تأثيرها بانتهاء العرض إلى أسطورة مختلفة عن المألوف التراثي، تثير العديد من الأسئلة حول جدوى الزعامة، وما المطلوب من الزعيم الحقيقي اتجاه قبيلته وقت الشدائد والنكبات؟

اعتمدت المسرحية بصورة رئيسية على حكاية ممتعة بالتراث الفلكلوري تناقلتها الأجيال المغربية جيلا بعد جيل، هي أسطورة “بوجلود” وعلى تقديم شخوصها بالملابس، والهيئات، كما جاءت تفصيلاتها في الحكاية، وصاحبتها سينوغرافيا وموسيقى تراثية.

مشهد من المسرحية التي درجت على محكيات فن الحلقة في المغرب
مشهد من المسرحية التي درجت على محكيات فن الحلقة في المغرب

الأسطورة التي جاء منها النص المسرحي ذكرتنا بما كان يُقدم على المسرح اليوناني القديم، وباختلاف القيم بين المجتمع اليوناني، الذي اهتم بالأعمال البطولية وصراع الأبطال، ومساندة الآلهة للبعض دون الآخر كما يعتقدون. وقد عرضت الكثير من الأساطير اليونانية على المسرح اليوناني، باستخدام الراوي الأعمى “تريسياس″ والجوقات المصاحبة، كـ”أوديب ملكا” لسوفوكليس، و”أوريستيا” و”برومثيوس في الأغلال” لأسخيلوس، و”ايليكترا” ليوربيدس، وغيرها من المسرحيات.

وبين المجتمع المغربي القديم، الذي كان مجتمعا قبليا متصالحا، ومتضامنا إلا في ما ندر. وجميع مساعي قبائله تصبُّ في خانة تأمين الحياة لأفراد كل قبيلة، من خلال توفير أسباب الحياة، مما تنتجه الأرض، وما يمتلكون من حيوانات.

وقد عكست محكياتهم الأسطورية البعد الرمزي والمقدس في ما عاشوه، من خلال حكايات خيالية، كـ”عيشة قنديشة” التي تمثل الخوف من القوى الخارقة والسحر، و”بابا عيشور” التي تمثل روح الحكمة والمحبة والتعاون بين الناس من خلال شخصية بابا عيشور، و”أمي نفري” التي تحكي عن مغارة مسحورة، يحرسها وحش تقدم له كل سنة فتاة ضحية، ليمنع شره عن الأحياء، و”بوجلود” التي تناولتها المسرحية، وغيرها من الأساطير.

أسطورة بوجلود

“بيلماون” أسطورة هرأتها محكيات “الحلاليقية”ــ رواة الحلقات ــ بالمغرب قبل أن تتحول إلى الركح، فقد تناولت الأسطورة كفلكلور يتحدث عن المقدس لدى المغاربة قبل الأديان التوحيدية. فهي لم تناقش ما تتناوله محكيات “الحلاليقية” التي تحكي عن شاب صنع ثوبا من جلود الخراف، وتنكر بقناع له وجه كبش. وظهر لأمه في الظلام، فأرعبها بعد أن ضربها بقائمة كبش يمسكها بيده، فدعت عليه أن يبقى بشكله الجديد، فأصابته لعنة الدعاء، فنبتت على جلده هيأته التنكرية الحيوانية.

فلم يستطع البقاء في القرية بسبب شكله الجديد، فأخذ يعمد إلى الاختفاء في إحدى المغارات نهارا، وعندما يحل الليل يعود إلى القرية، ليلتقي بأصحابه ويحصل على الطعام من خلال طرقه على أبواب أهل القرية، طالبا منهم ما يحتاجه من قوت، مقابل أن يصافحهم بقائمته الحيوانيّة لينالوا بركته، لما للكبش من تمثلات قدسيّة في اعتقادات أهل المغرب السابقين.

اختفاء كبش الزعيم “أماون” بظروف غامضة هو الحدث الدرامي
اختفاء كبش الزعيم “أماون” بظروف غامضة هو الحدث الدرامي

المسرحية أخذت من الأسطورة المتناقلة عبر الأجيال الأزياء التنكرية بجلود الخراف، والأقنعة والموسيقى الشعبية المصاحبة، والأمثال الدارجة التي قيلت باللهجة الدارجة المغربية والأمازيغية والعربية، كدليل على تلاقح الحضارات في المغرب “الأمازيغي والعربي والأفريقي”.

إن القالب التمثيلي الذي قدمت به المسرحية أعاد للأذهان ما كان يدور من فرجة في الشوارع والأسواق في مناسبة “بوجلود” السنوية في العديد من المدن المغربية من بينها، فاس، الرباط، الدار البيضاء، إنزكان وغيرها.

وبالرغم من اختلاف الرسالتين، الأولى مثلت الحادثة الأسطورية، التي أريد بها التبرك بما وهبوا من ماشية وخيرات، وبين ما يعرض في الاحتفالات الحرة بهذه المناسبة، وغايتها المتعة الخالصة، بإحياء تراث فلكلوري قديم وإمتاع الجمهور بمشاهد كوميدية وموسيقى شعبية يصاحبها الرقص، الذي يعود إلى أصول رقصة غناوة وجذورها الأفريقية القديمة.

والرسالة الثانية تمثلت بأحداث بوجلود التي يعاد تمثيلها كل سنة في العديد من المدن المغربية، فتستعيد الأجيال الجديدة المخيال الشعبي القديم عن شخوص الأسطورة، بأشكالهم التنكرية، وقناعاتهم التي سبقت الأديان من أن هناك قوة غيبية تحرك المصائر وتوزع الأرزاق، وأن عليها أن ترضي هذه القوة بما تقدمه من رقص وغناء وأمثال شعبية عن الصدق والمحبة والتعاون بين البشر. مسرحية “بيلماون” قدمت كوميديا شعبية مغربية وحملت رسالة مختلفة لأسطورة “بوجلود”.

14