بيل أوريلي نجم يعرف أسرار الكبار يُجبر على التقاعد

الأحد 2017/04/30
أوريلي العجوز الممتلئ بالغموض والعنصرية

عمان - مثير للجدل بآرائه وطرحه للأمور، بثقافته الواسعة، وعمله الإعلامي الفريد من نوعه، مثير حتى في مسألة طرده من أعرق القنوات التلفزيونية الأميركية، بعد تربعه على عرش البرامج الحوارية خلال ما يقارب العشرين عاماً. إنه بيل أوريلي الذي أعلنت شبكة فوكس نيوز الإعلامية مؤخرا، عن فسخ تعاقدها معه، وتوقفه عن تقديم البرنامج الحواري الشهير “أوريلي فاكتور”، على خلفية اتهامه بالتحرش الجنسي.

وقد صدر بيان عن “توينتي فرست سينشري فوكس”، الشركة الأم لقناة “فوكس نيوز”، جاء فيه “بعد مراجعة متأنية ودقيقة للادعاءات، قررت الشركة بالاتفاق مع أوريلي أن الأخير لن يعود إلى العمل في المحطة مرة ثانية”.

يأتي ذلك بعد التحقيق الذي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” قبل ثلاثة أسابيع، ذكرت فيه أن القناة والشركة المنتجة تعاونتا مع بيل من أجل التكتم على شكاوى قُدمت ضده، عن طريق دفع تسويات مالية لخمس سيدات وصلت إلى 13 مليون دولار.

وأفادت نيويورك تايمز أن النساء الخمس اللاتي حصلن على التسويات، إما كن يعملن لحساب أوريلي، وإما ظهرن ضيفات معه في برنامجه التلفزيوني.

وقد أُثير الموضوع ضد بيل عقب قيام قناة فوكس نيوز بإعفاء مديرها السابق روجر أيلز بعد واقعة تحرش جنسي، والذي تربطه علاقة قوية بأوريلي، حينها أكدت القناة أنها لن تتسامح مع أي سلوكيات لا تحترم النساء أو تتسبب في إيجاد بيئة عمل غير مريحة، وهذا ما شجع اثنتان من النساء الخمس على تحريك الصحافة ضد أوريلي.

النساء اشتكين بحسب وثائق وشهادات حصلت عليها الصحيفة، من سلوكيات المذيع الشهير، تشمل إساءات لفظية وتعليقات خليعة ومحاولات للتقرب منهن، واتصالات هاتفية بدا أوريلي خلالها وكأنه يمارس أفعالا جنسية عبر الهاتف. وحول دفع التسويات المالية للنساء، قال بيل في بيان إنه تم استهدافه بشكل غير عادل بسبب شهرته دون أن يذكر التفاصيل، وأضاف “خلال عملي منذ أكثر من 20 عاما في قناة فوكس نيوز، لم يقدّم أحد على الإطلاق شكوى ضدي في إدارة الموارد البشرية. أنهيت أي جدال بدفع التعويضات لإنقاذ أولادي”.

مراسل حربي

ولد أوريلي عام 1949 لأبوين أميركيين من أصول أيرلندية، هما وليام جيمس وأنجيلا ينيفريد، عاشا في شقة صغيرة في فورت لي نيو جيرسي، وعندما ولد ابنهما الأول بيل، انتقلت العائلة إلى ليفيتون في جزيرة لونغ آيلاند.

درس الابتدائية في مدرسة “بريجيد”، أما المرحلة الثانوية فاختار والداه أن يزاولها بمدرسة خاصة بالبنين ذات طابع ديني كاثوليكي في مينيولا، حيث درس ولعب لعبته المفضلة البيسبول، التي رافقته لمدة طويلة من الزمن.

هناك تعرف على الكثير من الأصدقاء وأشهرهم مغني البوب الأميركي بيل جويل، الذي تحدث عنه في مقابلة صحافية قائلا “كان متميزا في كل شيء، وخصوصا إحساسه الفني المرهف، كان ذواقا في اختياره لأسطوانات كبار الفنانين التي يسمعنا إياها، كنت متيقنا أن جويل سوف يكون له شأن فني هام وهذا ما حصل”.

صحيفة (نيويورك تايمز) تنفرد قبل ثلاثة أسابيع، بنشر مقال ذكرت فيه أن (توينتي فرست سينشري فوكس) الشركة الأم لقناة (فوكس نيوز) تعاونت مع القناة ومع أوريلي من أجل التكتم على شكاوى قدمت ضده، عن طريق دفع تسويات مالية لخمس سيدات وصلت إلى 13 مليون دولار

برزت موهبة الكتابة لدى أوريلي منذ أيام الثانوية، حيث كان كاتبا أساسيا في صحيفة المدرسة، التي تخرج منها عام 1967 بمرتبة الشرف، لينتقل بعدها إلى كلية ماريست في بوغكيبسي بنيويورك، ودرس فيها التاريخ.

بعد التخرج من كلية ماريست، انتقل أوريلي إلى ميامي، حيث بدأ العمل في التدريس بمدرسة مونسيجنور، وفي ذات الوقت قرر إكمال دراسته العليا، فاختار جامعة بوسطن وحصل منها على درجة الماجستير في الصحافة الإذاعية.

إلى جانب ذلك، عمل بيل في الصحافة المكتوبة، حيث كان من كتاب الأعمدة في صحف محلية عدة، منها “بوسطن فينيكس”، كما خضع لدورة تدريبية في غرفة أخبار “ويبز تي في”، ليدخل بعدها العالم الذي أحبه وسعى إليه منذ دراسته الأكاديمية، حيث عمل في أكثر من جانب إعلامي؛ من إنجاز التقارير التلفزيونية وتقديم نشرة الطقس في قناة “وافا تي في”، و العمل الميداني في إنجاز التحقيقات التلفزيونية في “ونيب تي في”، إلى مراسل حربي أيضا.

أوريلي فاكتور

حكاية أوريلي مع الجوائز بدأت مبكرة، ولم تأت في عمر متأخر على هيئة تكريمات. فقد حقق أول جائزة له في عمر 23 عام، وهي جائزة نادي دالاس للصحافة المتميزة عن تحقيق أجراه لصالح قناة تلفزيونية أميركية، كما نال بعدها بعام واحد، جائزة “الإيمي” المحلية. عمل بيل في أشهر القنوات التلفزيونية مثل “إي بي سي” و”إس بي سي”، لكن عام 1996 كان تاريخ انطلاقة قناة فوكس نيوز التلفزيونية، التي رأس مجلس إدارتها روغر أيلز، الذي قدم لبيل فرصة العمر، وهي أن يكون مذيع برنامج حواري يومي يحمل اسمه، وهو “أوريلي فاكتور”، الذي سرعان ما أصبح أحد أكثر البرامج شعبية بالتلفزيون الأميركي، وحطم أرقاما قياسية بعدد المشاهدين.

كان أوريلي يتابع في برنامجه كل شاردة وواردة في الحدث اليومي، وجعله منبرا للسياسيين بكافة درجاتهم وصولا إلى الرؤساء، وصوت الجمهوريين الإعلامي.

أوريلي ليس مجرد مذيع تلفزيوني يكتفي بشهرة ومال وما إلى ذلك، فهل تعلم أن في جعبة الإعلامي الشهير أكثر من 25 كتابا قام بتأليفها، وأغلب مواضيعها تؤرخ لحياة رؤساء الولايات الأميركية المتحدة، وأشهرها سلسلة وثق فيها كل عمليات القتل التي توفى فيها بعضهم؟

أوريلي وبوتين والعام 2023

هناك من يعتمد على مؤلفات أوريلي لإنتاج أفلام سينمائية، ومنها شبكة “ناشيونال جيوغرافيك” التي أنتجت فيلم “مقتل كينيدي”، وجسد شخصية الرئيس الراحل الممثل روب لو، وشاركته البطولة ممثلة “ابتسامة الموناليزا” جينيفر غودوين التي لعبت دور السيدة الأولى جاكلين كينيدي.

فاجأ أوريلي روسيا مؤخرا مرتين، الأولى عندما وصف رئيسها فلاديمير بوتين بـ”القاتل”، خلال مقابلة أجراها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بثت في الخامس من شهر فبراير الماضي، حين سأل أوريلي ترامب عما إذا كان يحترم بوتين، الذي كان قد أشاد به في الماضي.

رد ترامب “بالطبع أحترمه، ولكنني أحترم الكثير من الناس، ولكن هذا لا يعني أنني سأتوافق معه”. وقتها قاطعه أوريلي قائلا “لكن بوتين رغم هذا لا يزال قاتلا”. ورد ترامب “هناك الكثير من القتلة ماذا تظن؟ بلادنا بريئة؟”.

أوريلي ليس مجرد مذيع تلفزيوني يكتفي بشهرة ومال وما إلى ذلك، خصوصا حين نعلم أن في جعبة الإعلامي الشهير أكثر من 25 كتابا قام بتأليفها.

في اليوم الثاني كان متحدثٌ باسم الكرملين يقول في تعليقات نقلتها وكالة الأنباء الروسية الرسمية “تاس” إن كلام أوريلي مهين وغير مسموح به، مشيرا إلى أن بوتين يستحق اعتذارا من “مثل تلك الشبكة التلفزيونية المحترمة”.

هنا قرر أوريلي مفاجأة روسيا مرة أخرى، وقال “يبدو أن إدارة بوتين في موسكو تطالبني، أنا مراسلكم المتواضع، بالاعتذار عن القول إن فلاديمير العجوز قاتل”. وأضاف “إنني أعمل على هذا الاعتذار لكن ذلك قد يستغرق بعض الوقت، ربما في حدود عام 2023”.

علاقات أوريلي مع الرؤساء الأميركيين الذين عاصرهم مختلفة جدا، وشتان بين العدو باراك أوباما، والصديق “الصدوق” دونالد ترامب، الذي اختاره أوريلي ضمن 45 حساب يتابعهم على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، ودافع عنه في قضية التحرش الأخيرة، عندما أعرب عن دعمه له، ووصفه بأنه “شخص جيد” نافيا أن يكون قد قام بأي عمل خاطئ.

كثيرة هي المرات التي عبر فيها أوريلي عن سخطه من أداء أوباما الرئاسي، حتى ذهب به الأمر إلى التهجم عليه شخصيا، عندما بث في برنامجه التلفزيوني صورة لباراك وهو يرتدي ملابس إسلامية، رابطا بذلك علاقته مع تنظيم داعش، وقال حينها “إن هذه الصورة دليل على عمق ارتباطه بالدين، ويمكن أن تقدّم كتفسير للسبب الذي يجعل أوباما لا يتعامل بحزم مع التنظيم الإرهابي”.

وتابع أوريلي حينها “السيد أوباما لم يعترف بخطئه أبدا، كما أنه لم يستهدف التنظيم بشكل مباشر”، وكانت الصورة التي استخدمها، قد التقطت في تسعينات القرن الماضي، خلال حضور باراك لعرس أخيه مالك أوباما في ولاية ماريلاند.

الإعلام الجمهوري الأميركي وعلى رأسه قناة فوكس الإخبارية، أصيب بخيبة أمل عندما فاز أوباما بانتخابات تجديد فترة رئاسته للولايات المتحدة، وكان هناك استياء من الحالة التي باتت عليها هذه الدولة العظمى التي أصبحت كما يقول أوريلي مكونة من عدد كبير من الكسالى الراغبين في الحصول على ميزات من الدولة بالمجان، ومن سيعطيهم هذه الخدمات والأشياء غير المستحقة بنظره إلا أوباما.

الحلم الأميركي في مفهومه قائم على العمل بجد وكفاح، من أجل أن يصنع الإنسان من نفسه شيئاً مهما، ولا يخجل أوريلي أن يعبر عن شعوره بالحزن، في إطلالته التلفزيونية، وقال في إحداها “الدولة التي بناها البيض وكانوا فيها الأغلبية، وأرسوا فيها دعائم الديمقراطية والرأسمالية والعمل الحر والسباق نحو النجاح قد تغيرت للأبد، فهي الآن دولة أقليات من سود وإسبان وغيرهم، وأمثال هؤلاء لا يريدون بذل الجهد وإنما العيش عالة على الدولة، وبهذه العقليات لن تواصل أميركا البقاء في الصدارة”.

أوريلي يهاجم عادة العديد من الشخصيات السياسية العالمية، مثل باراك أوباما الذي بث في برنامجه التلفزيوني صورة له وهو يرتدي ملابس إسلامية، رابطا بذلك علاقته مع تنظيم داعش

ليس كل المسلمين إرهابيين.. ولكن

عنصرية بيل تصل إلى ذروتها، عند الحديث عن المسلمين، ولعل أكثر النقاشات إثارة للجدل، كانت عندما حل ضيفا في برنامج “ذا فيو”، وجعل اثنتين من مذيعاته ينسحبن اعتراضا على قول بيل “ليس كل المسلمين إرهابيين لكن كل الإرهابيين مسلمون”.

وبررت المذيعتان وبي غولدبرغ وجوي بيهار موقفهما بأنه لم يكن هناك أي نقاش، حيث كان الضيف متكبرا، وهو ما دفع وبي إلى شتمه أثناء الحلقة، ومن ثم الانسحاب من البرنامج قائلة “كنت سأشتمه حتى قدميه لو بقيت، وأنا غير نادمة على ما فعلت”.

المشاجرة نشبت في البرنامج بسبب مناقشة حادة، حول بناء مجمع إسلامي على بعد بنايتين من برجي مركز التجارة العالمي، اللذين انهارا جراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

حينها عبَّر أوريلي عن رأيه قائلا “كيف نسمح لمن قتلونا أن يكونوا بجوار الحدث، معظم الأميركيين لا يريدون هذا المبنى هناك، لأن وضعه غير ملائم”، فردت غولدبرغ مستنكرة قوله “لقد قتل 70 مسلما في أحداث الحادي عشر من سبتمبر”، فأجابها “لأنهم قتلونا”.

ومما زاد النقاش احتداما، هو تعجب أوريلي من الممثلة السمراء، قائلا “كيف تقولين إن المسلمين لم يقتلونا؟”، فردت غولدبرغ “المتطرفون قتلونا وليس المسلمين”، ثم انسحبت ومعها جوي بيهار من الأستديو.

كلام أوريلي الممتلئ بالعنصرية والفوقية لا يمثل رأيه الشخصي بسبب انتمائه إلى الأكثرية البيضاء فحسب، بل يمثل تياراً داخل الحزب الجمهوري اليميني، الذي عبر عن سياسته الجديدة بشعار “أميركا أولا”. ويبدو أن الآتي أعظم.

9