"بيمان: درب الليمون" القضية الكردية في مسار عربي

بالرغم مما تمرّ به الساحة العربية من تردّ وانتكاسات إلا أن هذا لا يعني بحال من الأحوال عدم وجود حراك حقيقي وفاعل داخل المشهد الثقافي العربي، إلا أن ما يكاد يصيب المرء بالذهول هو كمّ النصوص المترهلة، التي يقوم أدعياء الإبداع فرضها على الساحة الثقافية، واعتبارها الواجهة المعبرة عن المشهد الثقافي العربي، ثم إن الجوائز ومعاييرها باتت تحدّد وجهة الكتابة في كثير من الأحيان، فاللهاث وراء الشهرة بات يدير أقلام البعض إلى الحدّ الذي قد يبرّئون فيه محتلا من دمائهم، حسب تعبير الشاعر والناشر جهاد أبوحشيش، الذي التقته “العرب” بمناسبة صدور روايته “بَيمان: درب الليمون”، وكان لنا معه هذا الحوار.
الاثنين 2015/05/04
تدخّل الكاتب في مسار شخصياته يعني أنه يحاول رسم ذاته وإسقاط ما يراه عليها

جهاد أبوحشيش شاعر وكاتب أسّس دار فضاءات للنشر والتوزيع عام 2007، درس الصحافة والإعلام واللغة العربية بجامعة اليرموك في الأردن وأصدر عددا من الدواوين والقراءات النقدية، نذكر منها “جسد بلا نوافذ” و”مدي الأرض”، وقراءة نقدية لإبداع الشاعر أحمد مطر التي حملت عنوان “ارتجاف الذاكرة عند أبواب أحمد مطر”، و”امرأة في بلاد الحريم”، وغيرها، كما صدرت له مؤخّرا روايته الأولى “بيمان: درب الليمون”.

أبوحشيش في البدء كان ساردا حتى أغرقه الشعر في ملكوته، فغرق في سحره وإغوائه، بعد أن التقى كمال أبوديب، الذي كان له الأثر الأكبر في مسيرته بعد ذلك، إذ أن للشعر عوالم إغوائية أقرب إلى السحر، وكلما كانت هذه العوالم متجاوزة للمتعاليات كلما أصبح جمهورها نخبويا بطريقة أو بأخرى، في الوقت الذي توفر الرواية للكاتب والراوي مساحة أكبر للقول والخوض في التفاصيل كما يقول ضيفنا، الذي يرى أنّه ثمّة من يحاربون الكتابة من خلال عدم خلقهم لمناخ إيجابي للقراءة، ودعم المنتج الإبداعي حيث يجعلون الأمر موسميّا من خلال معارض الكتب، بحيث يكون أشبه بكرنفالات احتفالية لا أكثر، وهذا يجعل الشعر والكتابة برمتها في أزمة، أبوحشيش يصف واقع المنتج الثقافي العربي أنّه في أزمة حقيقية لأنّ الجميع يريده تابعا وموجّها، ومن هنا يرى الجوائز واشتراطاتها، لا علاقة لها بإبداعية المنتج الروائي، بقدر ما لها علاقة بقصدية التوجيه، فرأس المال يتحكم في وجهة النص غالبا.

السارد الديمقراطي

حديثه يدفعنا إلى سؤاله عن الغزو الروائي للساحة الإبداعية العربية، حتى يعلّل أنّه لا يعتبر المسألة غزوا بقدر ما تتمثل في أن الإنسان العربي يفتّش في الرواية عن إجابات لأسئلته المعيشة، أجوبة تجعله قادرا على الاحتمال ليستمر أو ليسرق جرعة من الأمل، أو وعدا بغد أجمل، أو مساحة يتقمص فيها إحدى الشخصيات.

العربي يفتش في الرواية عن إجابات لأسئلته المعيشة، تجعله قادرا على الاحتمال ليستمر أو ليسرق جرعة من الأمل

حديث جهاد عن تقوقع الكاتب ضمن شخصيّاته دفعنا إلى مناقشة عدم حضوره في روايته الجديدة ليؤكّد أنّه لم يكن بعيدا بالمعنى العميق، لكنّه كان حذرا في أن يكون كل صوت لصاحبه، حيث ترك للشخصيات أن تمضي دون تدخل منه، بل يبلغ به القول إنّ تلك الشخصيات كانت تتمرّد عليه في مواقع كثيرة حيث لم يقع في مصيدة العناد أبدا، بل كان يتبعها ليصل معها حيث تريد أن تمضي، حيث فهمه العميق لعلاقة الكاتب بشخوصه يجعله يرى أنّ تدخّل الكاتب في مسار شخصياته هذا يعني أنّه يحاول رسم ذاته وإسقاط ما يراه عليها، وهنا فإن السارد عليه في مثل هذه الحالة أن يتّجه إلى كتابة المقال أو البيان حسب أبوحشيش، لأنّه أقصر الطرق لفرض السلطة، فالمناداة بالحريّة لا يمكن أن تتمّ كما يعتقد ضيفنا إلا إنْ تخلّى الكاتب عن سلطته على الشخصيات التي يخلقها.

عن روايته الجديدة “بيمان: درب الليمون” يقول جهاد إنّه بدأ بكتابتها قبل سنوات وقد مزّق عدّة مسودّات لأنّه وجد نفسه لم يكن جاهزا لقول ما يريد آنذاك، ثم كانت لحظة المفاجأة حين وجد نفسه غارقا فيها حين اختلف مع جمال أحد شخوص الرواية الذي سبق أن مهّد له السارد، إنّه يحب رفيقته الفلسطينية المغربية، لذلك وجد السارد نفسه منساقا خلف عاطفة جمال التي تشكّلت نحو بيمان الكردية، وضيفنا لا ينكر أنّه فتن بذلك الإحساس الذي وجد الإنسان فيه يتجسد أكثر فأكثر من خلال اتساقه مع ذاته كفلسطيني يناضل من أجل حريته، ولا يمتلك مصالح ضيقة إذ وجد نفسه ينادي بحقوق الأكراد، لأنّ المسألة الطبيعية التي قد تراودك هي إذا كان من حقك أن تحيا كإنسان فهو من حق الآخرين أيضا.

حديثه دفعنا إلى مناقشته فعندما يكتب العربي عن قضيّة غير قضيّته يطرح الأسئلة العامة أو الخطوط العريضة لذلك الملف، ولكن جهاد أبوحشيش على خلاف ذلك في الملف الكردي الذي كان أحد مسارات الرواية، حيث تحدّث السارد من خلال الشخصيات وكأنّه ابن ذلك الوجع، ليقول إنّ الإنسان حين يمتلك كينونته كإنسان ستكون كل القضايا الإنسانية العادلة قضاياه وسيكون ابنها، وفي ظل هذا التكالب على الوطن العربي من كل أعداء الإنسانية وامتهان الإنسان فيه لا يستطيع جهاد إلا أن ينحاز إلى الحرية وإلى الإنسان، فهو، كما يقول، ابن الوجع الكردي كما هو ابن الوجع العربي، ابن الإنسان أولا وأخيرا ما دام في صف الحرية.

الكاتب يبحث في روايته عمن يحب ومن يجد فيه وطنه الذي فقده

في الحديث عن القضايا الفلسطينية والكردية، نسأله عن الموازنة بين الملفّين وهل أصابته الخشية من طرح هذه القضية الإشكالية عربيا، ليؤكّد أنّ فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربية، ولكن حق تقرير المصير الذي تقول به بيمان بطلة الرواية في دورها هو حق طبيعي وإنساني حسبما يرى.

في روايته الأخيرة يبتعد جهاد عن السارد العليم، ويعطي المساحات السردية للشخصيات على عكس شعره الذي تبرز فيه الأنا، فأنت لا تبحث عن نفسك بقدر ما تفتش عن كينونتك، كما يعرّف جهاد ذلك البحث الواضح عن الذات بين صفحات الرواية.

طرحه لهذه الإشكالية دفعنا إلى سؤاله عن فهمه لدور الأديب في مجتمعه ليطرح رؤيته التي تقوم على أنّه ليس مطلوبا من الأدب أو الأديب أن يقود الجماهير لكن عليه بالضرورة أن يكون منحازا إلى الإنسان والحياة وكذلك إلى جانب قضايا الحرية، ومن خلال هذا الانحياز فإن ضيفنا يراه قادرا على التأثير والتأثر.

إشكالية النشر

جهاد أبوحشيش أيضا يدير ويملك دار فضاءات للنشر والتوزيع في الأردن وهنا نسأله عن مواصفات العمل الجيد وغير الجيد في مسيرة النشر ليقول إنّ الأمور كثيرة تلك التي يواجهها الناشر في حال كان جادّا وصاحب رؤية، ويحاول أن يصل إلى الأفضل في اختياره للنصوص، فهنا لا بدّ أن تكون لديه لجنة للقراءة أو يستعيض عنها بتكليف عدد من النقاد لقبول أو رفض النص كخطوة أولى، لقبول أو رفض النشر، وهذا لا يعني دائما الخروج بالأفضل، لكنه يضمن الإفلات من الركاكة ويضمن حدّا معقولا من الجودة، فما بين ناقد كلاسيكي وناقد حداثي ستجد اختلافا كبيرا في التقييم، فبعض النقاد يميلون إلى تقييم المضامين استنادا على رؤيتهم لوظيفية النص الروائي، والبعض يتعامل مع الرواية كتقنية سردية يفتش فيها عن مساحات التجريب أو التجديد في أسلوبية السرد، والبعض قد يلجأ إلى تفضيل المشهدية في العمل الروائي والتي ربما لا تخلق تناميا دراميا للحدث بشكل أو بآخر، ومن هنا فلجان القراءة تضمن لدار النشر حدّا معقولا ومنطقيّا، لكنها لا تضمن لنا بالضرورة نصا متميزا ومبدعا.

15