بينغ ليوان فنانة مشهورة ترسم صورة جديدة لسيدة الصين الأولى

الأحد 2014/11/16
بينغ ليوان النجمة الدبلوماسية الصينية الصاعدة

السيدة الأولى أو زوجة الرئيس صفة اجتماعية أساسا لكنها تُحمّل صاحبتها أكثر من الصبغة الاجتماعية فهي تضعها تحت مجهر الإعلام وتسلّط عليها أضواء الشهرة وتلقي على عاتقها مسؤوليات مثل تمثيل نساء بلدها وتقديم الصورة الإنسانية لحياة الرئيس، كما أنها تفرض عليها التواجد في الساحة السياسية المحلية والدولية إن رغبت في ذلك أو لم ترغب، وينظر للسيدة الأولى في أغلب الحالات على أنها بالضرورة شخصية استثنائية طالما حظيت باهتمام رئيس الدولة ويتابعها المتابعون بغرض استكشاف هذا الجانب الاستثنائي.

حركة لبقة في لقاء دولي رسمي على هامش قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) المنعقدة في العاصمة الصينية بكين، تمثلت في تقديم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شالاً إلى “بينغ ليوان” زوجة الرئيس الصيني جعلت مقطع فيديو قصيرا يجوب العالم بسرعة برقية عبر مواقع الاتصال الاجتماعي ووسائل الإعلام الصينية والأجنبية.

ما لفت الانتباه أكثر من الحركة اللبقة ذاتها وأكثر من القائم بها هي سيدة الصين التي جذبت الأنظار بردة فعلها وبأناقتها وابتسامتها وحضورها المناسبات والاجتماعات السياسية بجانب زوجها الأمر الذي لم تألفه الساحة السياسية الصينية.

أضواء الشهرة والكاميرات ووسائل الاعلام ليست أشياء حديثة بالنسبة إلى بينغ ليوان ولم ترتبط علاقتها بها عبر الزواج من رئيس الصين، بل عايشتها وعرفتها منذ صغر سنها وعرفت أيضا الفنون الركحية والعروض الفنية وتصفيق الجماهير ومطاردة الصحفيين، فقد حظيت بشهرة وشعبية واسعتين في بلدها بفضل مسيرتها الفنية الطويلة التي صنعت بها مجدا وشهرة قبل الارتباط بشريك حياتها.

وتقدم بينغ عند ظهورها الإعلامي صورة عفوية مبتسمة مفعمة بالشباب والأمل وهي صورة مغايرة تماما لسابقاتها من زوجات رؤساء الصين وهو ما يبدو جليا لكل من يقارنها بليو ينكينغ زوجة الرئيس السابق هيو جنتاو ذات الملامح الجدية والتصرفات الجافة.

وبينغ ليوان مشهورة في جميع أنحاء الصين، لكونها مغنية سوبرانو وفنانة شعبية ونجمة الحفلات التلفزيونية وقد نالت عديد الجوائز والتكريمات في مجال السوبرانو والغناء التقليدي، ولدت في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1962 وكانت أول امرأة صينية تتحصل على شهادة الماجستير في الموسيقى الصينية التقليدية. كما أنها عنصر مدني في جيش التحرير الصيني الشعبي الذي التحقت به عام 1980، عندما كان عمرها لا يتجاوز الثمانية عشرة، ونجحت في التقدم في الرتب بفضل صوتها المتميز الذي أفادها لتعلب دور المحفز لمجموعات الجيش أثناء النزاعات، وقد وصلت إلى رتبة تعادل الرائد المدني العام.تزوجت بينغ ليوان من شي جين بينغ الرئيس السابع لجمهورية الصين الشعبية، ورئيس اللجنة العسكرية المركزية في جمهورية الصين عام 1987 وأنجبت منه طفلة عام 1992 وهي اليوم طالبة في جامعة هارفارد أرقى جامعات العالم.

حظيت بالقبول وقدمت صورة راقية عن المرأة الصينية الناجحة في حياتها ومسيرتها، كما قدمت صورة استثنائية للسيدة الأولى لأنها انتقلت من فنانة شعبية إلى سيدة البلاد الأولى

ومنذ السنوات الأولى لحياتهما الزوجية حظيت بينغ بشهرة واسعة مقارنة بزوجها رجل السياسة قبل أن يتولى منصب رئاسة الصين في مارس/آذار من العام الماضي. ارتبطت حياتهما الزوجية بشكل أو بآخر بالتقلبات السياسية في الصين بشكل مباشر، فالزوج من الشخصيات السياسية المعروفة والفعالة في حزبه وفي الصين الشعبية وهي بالتوازي مع توجهها الفني سجلت حضورها في الساحة السياسية رغم أنها لم تكن على نفس درجة الفاعلية كما هو الحال بالنسبة إلى زوجها.

غنت بينغ وأحيت حفلات غنائية وعروضا تحاكي الوضع السياسي وكثيرة هي العروض التي كانت ترتدي فيها أزياء عسكرية وتقوم بإلقاء التحية العسكرية للجماهير وأمام عدسات المصورين، وفي الآن ذاته انخرطت في العمل السياسي بشكل مباشر كعضو في اللجنة الوطنية الحادية عشرة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وتقلدت منصب سفير النوايا الحسنة لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة السل وفيروس نقص المناعة الإيدز منذ عام 2011. وقد ضمت قائمة فوربس لأقوى الشخصيات النسائية المؤثرة في العالم لهذا العام اسمها في المرتبة السابعة والخمسين.
بعد سبع وعشرين عاما من الزواج لم تتأثر شهرة بينغ ليوان رغم أنها اعتزلت الغناء إلا أن صورها لازالت تغطي الصفحات الأولى لأهم الصحف والمجالات الصينية والأجنبية، وبقيت هذه الصورة في اقتران وثيق بصورة المرأة الصينية فبعد أن كانت تحضر في هيئة الفنانة الشعبية المحبوبة الجميلة والأنيقة ذات الابتسامة الهادئة والرقيقة وباتت تحضر على أنها سيدة الصين الأولى لكن صفات الجمال والأناقة والابتسام الدائم لم تفارقها. وتتداول وسائل الإعلام صورا لأزيائها التي تبهر المهتمين بهذا الشأن بجمالها وبرقيّ تصاميمها وبتميزها الذي تجمع فيه بين الطابع الصيني التقليدي وبين الحداثة ومواكبة الموضة العالمية.

وخلال أول زيارة رسمية لبينغ خارج الصين للعاصمة الروسية موسكو أبهرت بحضورها وأناقتها المعلقين والصحفيين ووصفوها بـ”النجمة الدبلوماسية الصينية الصاعدة” المختلفة عن سابقاتها. وواكبت وسائل الإعلام الصينية بكثافة الرحلة الرسمية الأولى للرئيس وزوجته خارج البلاد وكان من بين اهتماماتها هيئة سيدة الصين الأولى وحضورها المميز بجانب زوجها وبان فخر الإعلاميين الصينيين ببينغ جليا، رغم أنهم لم يعهدوا مرافقة زوجة رئيس البلاد له في كل خطواته خاصة الخارجية.

بعد سبع وعشرين عاما من الزواج لم تتأثر شهرة بينغ ليوان رغم أنها اعتزلت الغناء إلا أن صورها لازالت تغطي الصفحات الأولى لأهم الصحف والمجالات الصينية والأجنبية

أفضل وصف لبينغ تداولته أشهر الصحف الصينية كان صادرا عن رئيس معهد العلاقات الدولية بجامعة الشؤون الخارجية الصينية الذي قال “إن بينغ في دورها الجديد كسيدة الصين الأولى مثلت القوة الناعمة لبلدها في الخارج، وهي كفنانة ومطربة ومدافعة منذ زمن طويل عن مكافحة الفقر وغيره من القضايا التي تؤرق الصينيين.. تحمل صورة مميزة ومحببة لدى الشعب”، وركزت أغلب التقارير عن الجانب الشخصي لسيدة الصين الأولى وعن أناقتها التي مثلت من خلالها طابع اللباس الصيني المميز عالميا فكانت خير مروّج وداعم لصناعة الأزياء الصينية.

هذه الصورة التي كونتها بينغ لنفسها وروّجتها الصحافة جعلت كثيرين يقارنونها بزوجات الشخصيات السياسية وذوي المناصب العليا في البلاد اللاتي كنّ في أغلب الأحيان مجرد أسماء قد يعرفها البعض ويجهلها كثيرون، فلم يكن لهن أيّ حضور اجتماعي ولا إعلامي ولا سياسي حيث لم يَرَهُنّ الشعب ولم يتعرف عليهن وكنّ مثالا للمرأة الغائبة عن الشأن العام والقابعة في المنزل، وإن حضرن بجانب أزواجهن بشكل رسمي في المحافل الدولية أو في الخارج فهن لا يجذبن الانتباه ولا الأنظار بسلبيّتهن.
صورة هذه الفئة من سيدات المجتمع في الصين خاصة منهنّ قرينات متقلدي المناصب العليا في الدولة يمكن أن توصف بالسلبية وبغياب الدور الفاعل للمرأة الصينية وبأن حضورها هكذا يجعلها تبدو مجرد أداة شكلية يقتضيها البروتوكول السياسي المعمول به، ولم تقف سلبية هذه الصورة لدى الرأي العام الصيني عند هذا الحد بل اقترنت أسماء عديد النساء بالجرائم واستغلال علاقتهن بمناصب الأزواج بأبشع الطرق فكن مثالا للفساد وللثراء المبني على كره الشعب.

زوجة ماو زيدونغ رجل الدولة الصيني ورئيس الجيش الصيني جيانغ كينغ مثلا كانت مكروهة بشكل كبير عند الصينيين، وقد أدينت وسجنت بسبب دورها في زعامة عصابة الأربعة التي اضطهدت المعارضين السياسيين بلا رحمة إبان الثورة الثقافية (1966-1976). وهناك مثال آخر لشخصية نسائية ساهمت أيضا في ترسيخ هذه الصورة السوداوية للمرأة الصينية المرتبطة بالشخصيات المرموقة في الدولة من بينهن زوجة الوزير الأول السابق وان جياباو المدعوة زانغ بايلي التي عرفت بالتجارة الممنوعة في الأحجار الثمينة (الثروة الوطنية) والتي لم تظهر يوما للشعب مع زوجها بشكل علني.

بينغ اشتهرت بأدائها الجيد كسفيرة لمنظمة الصحة العالمية وكمتابعة للشأن السياسي وناقدة له وكرائدة في جيش التحرير الشعبي الصيني رافعة صوتها بالشعارات الوطنية

أما بينغ فقد اشتهرت بأدائها الجيد كسفيرة لمنظمة الصحة العالمية وكمتابعة للشأن السياسي وناقدة لكل ما له تأثير سلبي على الوطن والطبقات الضعيفة من الشعب، وكرائدة في جيش التحرير الشعبي الصيني رافعة صوتها بالشعارات الوطنية بغنائها وفنها الشعبي وكصورة للمرأة الصينية الفاعلة في مجتمعها والمحبوبة لدى الجماهير، وهي تستهل في هذه الفترة مرحلة جديدة من مسيرتها تحاول أن ترسم من خلالها صورة محبوبة للمرأة الصينية في الحياة السياسية محليا ودوليا.

هذا التميز عن سابقاتها ومواطناتها فتح مجالا أرحب من المقارنات حول شخص بينغ وحضورها الإعلامي المميز كسيدة أولى لكن الملاحظين والمهتمين بالموضة وبالمشاهير في العالم لازالوا يبحثون عن ميزاتها كإحدى المشاهير وكامرأة انتقلت من فنانة شعبية إلى السيدة الأولى في بلدها، وقد شبّهها بعضهم بسيدة أميركا الأولى ميشال أوباما حيث يرى البعض أنهما تتقاربان في السن وفي الاهتمام بالموضة و كلاهما أمّ جذابة. كما قورنت بينغ بسيدة فرنسا الأولى السابقة كارلا بروني المغنية وعارضة الأزياء التي تزوجت الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، لأنها مثلها انتقلت في عالم الشهرة من مجال الفن إلى السياسة وقدمت في الداخل والخارج صورة جذابة وأنيقة ووجها مغايرا لدبلوماسية بلدها.

ولا بد من الإشارة إلى أن شهرة بينغ ليوان واسعة في الصين أكثر منها في الخارج، ويمكن أن يرجع إشعاعها العالمي مؤخرا إلى حضورها الرسمي بجانب زوجها في المحافل الدولية، ويرجّح ملاحظون أن الصورة الأقرب لشخصية بينغ التي قدمت وجها جديدا ومغايرا لسيدة الصين الأولى هي رايسا غورباتشوف زوجة آخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميكاييل غورباتشوف التي عرفت بأناقتها وهدوئها وابتسامتها الدائمة وقد اعتبرها محللون سياسيون إحدى نقاط قوة غورباتشوف إذ لعبت دورا هاما في تلطيف و”أنسنة” صورة الاتحاد السوفييتي في الخارج، هذا ما يبرر توصيف بينغ بالقوة الصينية الناعمة فهل تتمكن من التقدم في هذا الاتجاه؟ وهل تقدم وجها جديدا يحظى بالقبول محليا وعالميا لسيدة الصين الأولى؟ وهل تضفي طابعها الأنيق واللطيف والإنساني على صورة جمهورية الصين الشعبية في الخارج؟

رئيس الصين الحالي بدا مختلفا عن سابقيه يصطحب زوجته معه أينما حل وقدمها في المحافل الدولية وهي بدورها حظيت بالقبول وقدمت صورة راقية عن المرأة الصينية الناجحة في حياتها ومسيرتها، كما قدمت صورة استثنائية للسيدة الأولى لأنها انتقلت من فنانة شعبية إلى سيدة البلاد الأولى وهي تسعى لتمثيل الصينيات في العالم وتسعى لترويج الموضة والأزياء والتصاميم الصينية المميزة كما تحاول المساهمة في رسم صورة جديدة تكون أكثر إنسانية ولطفا لبلدها.

20