"بينما كنت أنتظر" هشاشة مدينة بين الصحو والغيبوبة

تشهد خشبة مسرح “التارماك” في باريس العرض المسرحي “بينما كنت أنتظر” تأليف محمد العطار وإخراج عمر أبوسعدة، وفيه يحاول مخرجه تشكيل فضاءات دمشق وقصصها الهامشية، تلك التي لا تُشاهد على الشاشات ولا تتداولها وسائل الإعلام.
الأربعاء 2016/10/19
معلقون بين الحياة والموت

ما انفك العرض المسرحي السوري “بينما كنت أنتظر” يتنقل بين عدة عواصم أوروبية، أولها كانت بروكسل، وثانيها باريس، ومازال مخطط له التنقل عبر عدد من العواصم الأوروبية والعالمية الأخرى، بعد أن حاز على الجائزة الكبرى في مهرجان زيوريخ المسرحي، والمسرحية تستمر لمدة ساعتين وأربعين دقيقة، وهي من تأليف محمد العطار وإخراج عمر أبوسعدة من بطولة محمد آل رشي وأمل عمران وناندا محمد ورهام قصّار ومؤيد روميّة ومحمد الرفاعي.

وتدور أحداث مسرحية “بينما كنت أنتظر” بين عامي 2015 و2016، حيث نرى الشاب تيم في غيبوبة، ووالدته تردد آيات من القرآن فوق جسده الغارق في النوم، تيم ينسلخ عن جسده، ويرتقي إلى “الأعلى” في مكان مطل على الخشبة، هناك يقف إلى جانب شاب آخر (عمر)، المعتقل لدى تنظيم الدولة الإسلاميّة بعد أن كان حبيسا لدى النظام.

العلاقة بين الاثنين هناك في “الأعلى”، تدور حول الثورة والاختلاف في الموقف منها، فتيم رفض السلاح وانتهى به الأمر موثّقا للمظاهرات في محاولة لصناعة فيلم، أما عمر فقد تورط بالسلاح والأسلمة ثم رفض كل شيء، الاثنان يحضران في عالم برزخي حرّ، يطلاّن منه على دمشق الآن.

هم المعلّقون بين الحياة والموت، يراوحون بين لا نهائية البرزخ وذاكرتهم التي تعيد اجترار نفسها، أحرار يصرخون دون أيّ قيد، هم خارج أجسادهم، خارج سطوة العنف.

وفي القسم “السفلي” تدور بقية أحداث المسرحية، تحديدا في دمشق، لتحكي عن حادث السيارة والاعتداء الذي تعرّض له تيم وأدخله في غيبوبة، فتتضّح رويدا رويدا علاقته مع الثورة والمدينة، وهو الذي يريد صناعة فيلم لاكتشاف نفسه وأسرته وتوثيق الثورة “كما كانت”، لتتكشّف لنا لاحقا علاقته مع والدته والفضيحة التي عرفتها الأسرة، ثم حكاية أخته التي حاولت التحرّر من قيود أسرتها ورحلت إلى بيروت دون أن تنجز شيئا حسب تعبيرها، كذلك صديقه، الذي قرّر البقاء في دمشق، فقط لأجل الانتظار، دون أن ينجز شيئا، أما حبيبته فتقرّر الرحيل.

الانتظار المرتبط بعودة تيم إلى وعيه لا يلبث أن يتلاشى، لتكتسب الحياة في المدينة المنكوبة إيقاعا جديدا، يتلاءم كل مرة مع خسارة جديدة

الانتظار المرتبط بعودة تيم إلى وعيه لا يلبث أن يتلاشى، لتكتسب الحياة في المدينة المنكوبة إيقاعا جديدا، يتلاءم كل مرة مع خسارة جديدة، سواء على المستوى الشخصي، أو على مستوى المدينة التي تهبط بثقلها على صدور قاطنيها، ليغدو كلامهم أشبه بالهمس.

يتداخل الحقيقي مع المتخيل في العرض، إذ نشاهد مقاطع مسجلة لمظاهرات كانت تحدث في دمشق، ثم عدة صور لأخت تيم ومسيرة حياتها، وكأن الثورة تحدث على مستويين، فردي واجتماعي، وكلاهما للأسف تعصف بهما خيبة الأمل، بسبب التشدد الذي أصاب الثورة من جهة، وحالة الشلل التي أصيب بها من هم من في الداخل من جهة أخرى، إلى درجة أن بعضهم قرّر الرحيل كخلاص من جحيم اللافعل، أو البقاء في الداخل محكومين باعتقال عشوائي أو قصف عشوائي، فالإحباط الذي أصيبت به الشخصيات مرتبط بطبيعة دمشق نفسها، هي اللاحسم، إذ توجد فيها حياة شبه طبيعية لكنها معلّقة، ومهددة في أي لحظة، هي مثله في غيبوبة، فهو كتيم، حاضر جسدا، لكنه غائب الوعي، في أيّ لحظة قد يستيقظ، أو من الممكن أن يبقى غارقا في صمته.

يتفاوت الأداء في العرض بين الممثلين، ربما لاختلاف الخبرة بين جيلين مختلفين، كذلك نلاحظ طبيعة النص الذي يتحول إلى بيان سياسي ضد السلاح وضدّ التشدد الإسلامي في البعض من الأحيان، لنرى عمر (مؤيد روميّة) يصرخ كافرا بكل شيء كالبعض الذين أغراهم السلاح والمفاهيم الأصولية، في حين يلقي أمامنا تيم خطابا رومانسيا موجها للجمهور، وكأنه يوضح لهم مسار الثورة، والانحراف الذي شهدته، فيبدو ما هو سياسي واضحا وصريحا، وكأنّ تيم ينطق باسم شريحة من جيل الشباب الذين وجدوا أنفسهم حبيسي الذاكرة وزمن الثورة التي ظنّوا أنها تشبه ما أرادوه، لكنها ما لبثت أن سُرقت منهم.

16