بيننا وبين الأتراك.. أردوغان الذي نجا

الاثنين 2013/11/25

لقد تمنى بعض العرب أن يحدث ذلك شماتة في الرجل الذي تصدر المشهد الإقليمي، يوم صارت ثورات الربيع العربي تجتث أنظمة عربية، كانت تجثم منذ عقود على صدور المواطنين، من غير أن تقدم تفسيرا مقبولا ومعقولا لبقائها جاثمة هناك.

صحيح أن أردوغان كان قد تصرف في البدء بخيلاء المنتصر باعتباره وريثا لآخر سلاطين بني عثمان، غير أن ذلك السلوك لم يدفعه إلى ارتكاب الحماقات التي ارتكبها الحكام العرب.

في مواجهة الاحتجاجات المضادة لقراراته لم يلجأ الزعيم التركي المتشدد دينيا إلى الحلول الأمنية إلا في حدود ما يسمح به القانون.

فقد القدرة على التحكم بأعصابه مرة أو مرتين فأخطأ في استعمال بعض الجمل الموجهة بشكل خاص إلى قوى المعارضة، غير أنه ظل حريصا على ألا يسيء إلى الشعب التركي.

لم يكن الأتراك بالنسبة لأردوغان جرذانا كما كان حال الليبيين على لسان القذافي. لم يكونوا حشدا من المراهقين مثلما نظر حسني مبارك إلى المصريين.

لقد استعاد الرجل رشده بعد فورة غضب واستعراضات مجانية قام بها مناصروه، فطوى صفحة الخلاف مدافعا عن استقرار الوضع السياسي في تركيا، ولم يكن يفكر في الدفاع عن شرعية بقائه في السلطة.

لم يصدر عن رئيس الوزراء الذي كان يحكم باسم الأغلبية ما يشير إلى رغبته في الاستقواء إلى ما لا نهاية بالأغلبية التي انتخبته كما فعل الرئيس الإخواني محمد مرسي يوم كانت كل المعطيات تشير إلى أن الأغلبية التي اقترعت من أجله كانت قد سحبت عنه غطاء الشرعية.

بالنسبة لأردوغان فإن فكرة الحرب الأهلية كانت مستبعدة، أما بالنسبة لمرسي فإن تلك الحرب كانت خيارا واقعيا.

معارضو أردوغان كانوا أيضا أشد شعورا بالمسؤولية من معارضي الحكام العرب. لا لشيء إلا لأنهم يدركون جيدا أن الرجل كان صاحب مشروع، على الأقل على المستوى الاقتصادي، حيث تحتل تركيا اليوم وبعد عشر سنوات من الحكم الأردوغاني مرتبة لافتة بين الدول المتقدمة اقتصاديا.

بالنسبة لقوى المعارضة العربية فإن صراعها مع أنظمة الحكم كان مصيريا، وهو الشكل الذي أملته تلك الأنظمة بنفسها، حين قررت أن تكون موجودة خارج شروط أي عقد اجتماعي يفرض عليها واجبات معينة في تصريف شؤون الشعب الذي تحكمه وتتحكم به.

لم تتحرك المعارضة التركية محتجة من أجل إسقاط النظام، بل كانت لديها مطالب محددة وواضحة. وهو ما لم يكن قائما في الحالة العربية، حيث كان شعار إسقاط النظام يسبق كل مطلب آخر.

لم يكن الحاكم العربي يتصرف إلا باعتباره نصف إله، ما يقوله لا يمكن مناقشته، ذلك لأن جزءا عظيما من ذلك القول إنما يعبر عن حالة الإلهام السماوي التي يعيشها ذلك الحاكم منفصلا عن الواقع. لذلك استغرب الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه الأول بعد أحداث درعا عام 2011 أن يطالب الشعب بإصلاحات كان الحكم قد أنجزها قبل سنوات.

صحيح أن الأسد اعترف أن تلك الإصلاحات لم تجد الطريق أمامها سالكة في اتجاه التنفيذ الواقعي، غير أنه سخر من قدرة الشعب على أن يرى الحقيقة كلها. كان نصف الإله هو الذي تكلم يومها.

أما أردوغان فقد فهم الرسالة المضادة جيدا فلم يقع في الفخ. كان موقفه مما يجري في سوريا شيئا ومما يجري في بلاده شيئا آخر.

لقد انزلق إلى الحالة السورية بتهور وطيش، فصارت تركيا ممرا للكثير من الحركات والجماعات الإرهابية، أما داخليا فقد قدر الرجل أن الحيطة والحذر لا يمكن أن يكونا احتكارا أمنيا. شيء من السياسة يمكنه أن ينهي حالة الاحتقان التي كانت بلاده تعيشها. وهو ما جرى فعلا.

نجح أردوغان في احتواء الاحتجاجات المضادة في الوقت الذي فشل فيه الحكام العرب في الاحتفاظ بكراسيهم فذهبت بلدان بأكملها إلى الفوضى. ذلك لأن نصف الإله لا يغادر إلا وتكون الدولة قد استقرت في قعر حقيبته.


كاتب عراقي

8